بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تعود العلة من وراء الغالبية العظمى من هموم وأحزان وتعاسات السواد الأعظم من بني آدم إلى هذا الانشغال الدائم منهم بالحياة الدنيا وزينتها وزخرفها وبهرجها، تصارعاً فيما بينهم وتقاتلاً بالأيدي والألسن. والعجيب أن غالبية هؤلاء المتصارعين المتقاتلين على هذه الدنيا الفانية هم ممن يظن الواحد منهم بنفسه أحسن الظن، إذ يتوهم أنه على أحسن حالٍ مع الله تعالى إيماناً به واحتساباً! ولو أن هؤلاء الخائضين في متاهات هذه الحياة الدنيا تبيَّنوا ما هم فيه من انشغالٍ بمتاعها الزائل لأدركوا ما هم عليه من نأي وابتعاد عن صراط الله المستقيم الذي لو كانوا قد اهتدوا إليه حقاً لما كان هذا هو حالهم تحسُّراً على ما فاتهم من هذه الدنيا، وحسداً لما بين أيدي غيرهم ممن أنعم الله تعالى عليهم من زائل متاعها! فيكفي هؤلاء الحائدين عن صراط الله المستقيم برهاناً على ضلالهم المبين أنهم غير مبالين على الإطلاق بما هو كفيلٌ بأن يجعلهم من أصحاب الجنة إن هم ألزموا أنفسهم به قولاً طيباً وعملاً صالحاً وحالاً حسناً مع الله تعالى! فلو صدق هؤلاء في زعمهم أنهم مؤمنون أما كانوا ليسارعوا إلى الخيرات ويسابقوا إليها عوض هذا التثاقل منهم والتقاعس والقعود؟! ولو أنهم كانوا حقاً قد آمنوا بالله واليوم الآخر لأعدُّوا للآخرة عدَّتها ولقدَّموا لأنفسهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (18 الحشر).
ولذلك كانت علامة انشغالك عن الله تعالى، ونسيانك اليوم الآخر، هي هذا الذي أنت عليه من شقاء وتعاسة وهَم وغم إن أنت تفحصتَ أسبابها فلن تجد غير انشغالك الدائم بالدنيا سبباً وحيداً لها! وإلا فما الذي أقعدك عن القيام بما تستوجبه الجنة من صالح الأعمال غير انشغال قلبك بالتمام والكلية بهذه الدنيا التي تزعم أنك لست من أهلها؟! فلو أنك كنتَ حقاً من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، أما كنتَ لتسارع وتسابق إلى كل خير يقرِّبك من الجنة ويُبعدك عن النار؟! ولو أن هذه الدنيا لم تكن شغلك الشاغل حقاً وحقيقة أما كنت لتعافها وتعرض عنها فتُقبل بالتالي على كل ما من شأنه أن يجعل لك حظاً من الآخرة؟! فأين ذكرك لله وقد أُمرتَ بأن تُكثِر من ذكره؟ وأين تذكرك للآخرة وقد أُمرتَ بألا تنساها؟! وأين تخلُّقك بأخلاق مَن تزعم أنه أحبُّ إليك من أبيك وأمك وولدك وأنت المسارع إلى بسط لسانك ويدك بالسوء؟! فهل هذا هو خُلُق مَن يباهي أهل الدنيا بأنه من أهل الآخرة؟! وصدق حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذي أوجز وأجملَ الأمر بقوله الشريف: “عجبتُ لقومٍ يُقادون إلى الجنة بالسلاسل”.
