بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
للقرآن العظيم بديعُ بيانٍ وبليغُ قولٍ يندرجان في سياق ما حبى به الله تعالى كتابه العزيز من تميُّزٍ وتفرُّدٍ استحقت بموجبهما لغته الإلهية الجليلة أن تكون اللغةَ الأرقى اكتمالاً مبنى ومعنى. وأنت إذا ما تدبَّرتَ آيات القرآن العظيم فلن يكون بالعسير عليك أن تتبيَّن ما تتميز به لغته الإلهية من استثنائيةٍ، إن أنتَ أصغيتَ إليها بقلبٍ سقطت عنه أقفالُه، فسوف تجد في مفرداتها وعباراتها ما يجعل منك مستيقناً من أنها لا يمكن أن تكون من عند غير الله تعالى.
وسوف أتحدث في هذا المنشور عن جانبٍ من جوانب التميز الاستثنائي الذي تنفرد به لغة القرآن العظيم. وهذا الجانب يخص توظيف اللغة القرآنية لجذرٍ لغوي بعينه يتجلى بمعانٍ تتعدد باختلاف السياق الذي يرد خلاله. وسوف أضرب مثالاً على هذا الذي أذهب إليه من تفرُّد للغة القرآن العظيم، وذلك بتدبُّر كلمة “الكاظمين” و”مكظوم” و”كظيم”.
وردت كلمة “الكاظمين” مرة واحدة في القرآن العظيم، وذلك في الآية الكريمة 134 من سورة آل عمران (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). فكظم الغيظ لا يتأتى إلا بإحكام السيطرة على النفس، وذلك بزجرها ومنعها من أن تجعل الغيظ يستولي عليك فيُطلق لسانك أو يدك بالسوء قولاً أو فعلاً. وكظم الغيظ هو بالتالي من خصال عباد الله الصالحين الذين مكَّنهم خوفُهم من الله تعالى من أنفسهم فلم يمكِّنوها منهم.
أما كلمة “مكظوم”، فقد وردت في القرآن العظيم مرةً واحدة، وذلك في سياق حديث الله تعالى عن سيدنا يونس عليه السلام، وذلك في الآية الكريمة 48 من سورة القلم (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ). والمكظوم هو مَن بلغ به الحزن الشديد مبلغاً عجز معه عن أن يعبِّر عما يجيش في صدره فانطلق لسانه يدعو ربَّه الرحيم موقناً ألا مُفرِّج لهمِّه وكربه سواه.
وأما كلمة “كظيم”، فقد وردت ثلاث مرات في القرآن العظيم، وذلك في الآيات الكريمة: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (84 يوسف)، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم) (58 النحل)، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) (17 الزخرف). والكظيم هو من عقد الحزنُ لسانَه فأصبح عاجزاً عن أن يطلق من الكلمات ما ينفِّس به عن هذا الحزن الشديد.
يتبين لنا بتدبُّر ما ورد أعلاه أن لغة القرآن العظيم بمقدورها أن توظِّف جذراً لغوياً هو “كَظَمَ” في سياقات متعددة فيجيء المعنى محدداً بمقتضيات السياق.
