بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن من لم يدخل الإيمان في قلوبهم من الذين قالوا “أسلمنا” بأفواههم في زماننا هذا، أن من مقتضيات التوحيد المطلق لله تعالى أن يُصار إلى الحط من قدر حضرة سيدنا محمد، وأن التقديس لله تعالى يستدعي وجوب أن يُصار إلى تبخيس منزلته صلى الله تعالى عليه وسلم! وأنت إذا ما قلتَ في حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قولاً يراه هؤلاء المغالون قدحاً في توحيدهم المزعوم هذا، فإنهم لن يعدموا وسيلةً لتذكيرك بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن غير بشر، وأن لا داعي هناك لأن تذهب في تعظيمه وتوقيره وإجلاله وتبجيله صلى الله تعالى عليه وسلم مذهباً يجعل منك تنسى “بشريته” هذه التي جاء بشأنها في قرآن الله العظيم (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (من 110 الكهف، ومن 6 فصلت)، بل أنهم قد يلجؤون إلى الاقتباس من بردة المديح المباركة لسيدنا البوصيري رضي الله تعالى عنه فيوردوا منها: “فمبلغُ العلمِ فيه أنه بشرٌ”. ولقد فات هؤلاء أنهم بهذا الاجتزاء منهم لما جاء بخصوص “بشرية” سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في القرآن العظيم قد تناسوا أن هذا القرآن قد أبان عن جانب آخر من حقيقته المحمدية بقوله تعالى (يُوحَى إِلَيَّ)! فحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو بشرٌ مثلنا، ولكنه يمتاز علينا بأنه “يوحى إليه” (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) (من 6 فصلت). وهذا الإيحاء من الله تعالى، والذي اختُص به حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، هو الذي يجعل منه يتمايز عنا تمايزاً كشفت النقاب عن جانبٍ من تجلياته كتب السيرة النبوية الشريفة التي بين أيدينا. فلو كان حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بشراً مثلنا فحسب، فلمَ لم يكن يُرى له ظل؟ وكيف كان بمقدوره أن يرى ما خلفه كما يرى ما أمامه؟ ولمَ كانت تضلله الغمامة في حلِّه وترحاله؟ ولمَ لم يكن يُرى له خروج إذ كانت الأرض تبتلعه فوراً؟
وهذا الاجتزاء والاقتطاع والتبعيض جعل هؤلاء المباهين بتوحيدهم المزعوم ينسون أن سيدنا البوصيري رضي الله تعالى عنه لم يكتف بما قاله في حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم “فمبلغ العلم فيه أنه بشر”، إذ أنه أردف بعدها فقال: “وأنه خيرُ خلق الله كلهم”.
إذاً فحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بشرٌ مثلنا، ولكنه إذ يوحي الله تعالى إليه، فإنه قد اختُص بما جعله مؤهلاً لأن يكون بمقدوره أن يتنزَّل عليه القرآن العظيم فلا يصيبه ما كان ليجعل من الجبل خاشعاً متصدعاً من خشية الله فيما لو كان هذا القرآن قد أُنزِل عليه (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (21 الحشر). ثم أن كونه صلى الله تعالى عليه وسلم “خير خلق الله كلهم” يستدعي وجوب أن تكون له من الميزات والخصائص ما يجعل منه ليس كأحدٍ منا معشر البشر. فيكفينا أن نتذكر ما جاءتنا به سورة الأحزاب من توصيفٍ لنسائه صلى الله تعالى عليه وسلم بأنهن “لسن كأحدٍ من النساء” (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ). فإذا كانت نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لسن كأحدٍ من النساء، فإن بالحري أن يكون زوجهن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ليس كأحد من الرجال.
إذاً فلا يمكن على الإطلاق القبول بما يطالبنا به هؤلاء المتبجحون بتوحيدهم المزعوم من أن ننظر إلى حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فنراه كما يظنون ويتوهمون بشراً مثلنا فحسب!
فسبحان الذي اصطفى حضرة سيدنا المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فاختاره حبيباً قرَّبه حتى دنى فتدلَّى وكان أقرب خلق الله إلى عرشه تعالى.
