بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ليس بمقدور الإنسان أن ينظر بعينه المجردة إلى السموات والأرض فيراها كما بمقدوره أن يراها لو أنه نظر إليها بأعين أجهزة الرصد الفلكي التي بين أيدينا. فهذا الكون هو على قدرٍ من الاتساع والامتداد في المكان ما يجعله عصياً على أن يحيط به الإنسان إدراكاً وعلماً. واللهُ ذكر في قرآنه العظيم أنه قد جعل بمقدور الإنسان أن ينظر في السموات والأرض فيرى ما يَسَّره له تعالى من ملكوته: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75 الأنعام)، (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (185 الأعراف).
ولقد وردت في سورة الرحمن آيةٌ علمنا بموجبها أن للسموات والأرض أقطاراً لا نفاذ منها إلا بسلطانٍ إلهي (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان) (33 الرحمن). وهذه الأقطار هي التخوم والحدود القصوى التي لا انتشارَ بعدها لمادةٍ مخلوقة. وبذلك فإن من الخطأ الجسيم أن يصار إلى المطابقة ما بين “ملكوت السموات والأرض” وبين “أقطار السموات والأرض”. فهذا الكون محدود بحدود لا ينبغي الظن بأنها غير موجودة فيكون لهذا الكون بالتالي امتدادٌ إلى ما لا نهاية! فاللهُ تعالى خلق الكون محدداً بمادةٍ بعينها، وبأجلٍ محدود مسمى. وهذا الكون المحدود الامتداد في المكان هو محدود في الامتداد الزماني أيضاً، وذلك لأنه سينتهي حتماً بمجيء يوم القيامة.
لقد شرَّفنا الله تعالى بقرآنه العظيم، وجعل لهذا القرآن تفوقاً معرفياً على كل علمٍ بشري إلى قيام الساعة. فيكفينا شرفاً بهذا القرآن أنه أخبرنا بمحدودية هذا الكون في المكان والزمان؛ هذه المحدودية التي لا يتفق معها العلم المعاصر الذي يظن ويتوهم أن للمادة اتساعاً وامتداداً لانهائياً في المكان، كما أن لها تواجداً وامتداداً إلى ما لا نهاية في الزمان!
