علاج يوسف لأبيه واستغفار يعقوب لبَنيه

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

وإذا مرضت فهو يشفينجعل الله تعالى شفاء سيدنا يعقوب عليه السلام على يد إبنه سيدنا يوسف عليه السلام، وذلك كما بيَّنته الآيتان الكريمتان 93 و96 يوسف (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فشفاء عينَي سيدنا يعقوب عليه السلام تحقق ما أن أُلقي قميصُ سيدنا يوسف عليه السلام على وجهه.

وفي هذا الشفاء الخارق للعادة ما ينبغي أن يجعلنا ندرك أن لمن اختصهم الله برحمته أن يتجلى من آثار هذه الرحمة الإلهية على متعلقاتهم فتصير هذه بإذن الله تعالى أشياء مباركة ينجم عنها كل ما هو مخالف للمألوف من ظواهر يعجز العقل عن التعليل لها وفق ما تواضع عليه وانتهى إليه من علم. وفي هذا الشفاء غير التقليدي ما يذكِّر بأن الصالحين هم بإذن الله تعالى ليسوا بشراً مثل باقي البشر، وأن متعلقاتهم هي بالتالي لا يمكن النظر إليها على أنها أشياء مثل غيرها من الأشياء التقليدية.

وهذا الشفاء الخارق للعادة يوجِّه ضربةً قاصمة لأولئك الذين أضلَّهم هواهم فزيَّن لهم أن التوحيد المطلق لله تعالى يستدعي منهم وجوب ألا يكون لمتعلقات الصالحين القدرة بإذن الله تعالى على اجتراح كل ما هو خارق للعادة والمألوف! فلو كان الله تعالى يريد لجعل من شفاء سيدنا يعقوب عليه السلام يتحقق دون وساطةٍ من قميص سيدنا يوسف عليه السلام وهو القادر على كل شيء! فلعل في هذا الشفاء الخارق للعادة ما يجعل من المنتطعين والمتبجحين بتوحيدهم المطلق هذا يدركون أن الله تعالى قد جعل لكل شيء سبباً، وأن عقلنا البشري المحدود لن يكون أبداً بمقدوره أن يحيط بكافة الأسباب التي تتجلى فيها قدرة الله تعالى.

ولقد جاءتنا سورة يوسف بأمرٍ آخر يتناقض بالتمام والكلية مع ما يريدنا هؤلاء المسرفون أن يكون عليه اعتقادنا في الله تعالى فنظن كما يظنون ونتوهم ما يتوهمون من أن التوحيد الخالص لله تعالى يستدعي ألا يكون هناك من يستغفر للمرء ذنوبه، وأن المذنب ليس له إلا أن يقوم هو بالاستغفار لذنبه! وهذا الظن الواهم تدحضه الآيتان الكريمتان 97 -98 يوسف (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ. قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم). فلماذا توجَّه أخوة سيدنا يوسف عليه السلام إلى سيدنا يعقوب عليه السلام ليستغفر لهم الله تعالى؟ ولماذا وافقهم وأقرَّهم سيدنا يعقوب عليه السلام على هذا؟ ولماذا لم يصحح لهم فيقول لهم بأن يلزموا الاستغفار من الله تعالى؟!

يتبين لنا مما تقدم أن سورة يوسف قد جاءتنا بما هو كفيلٌ بدحض افتراءات المتطرفين والمغالين والمبالغين في توحيد الله تعالى غير الحق. فالشفاء هو بيد الله تعالى يحققه لمن يشاء أنى يشاء، والأسباب الكفيلة بتحقيق هذا الشفاء ليس لنا أن نحيط بها بعقولنا البشرية المحدودة، كما أن مغفرة الله تعالى متحققةٌ بإذنه تعالى لمن يشاء من عباده بأسبابٍ قد نتوهمها فنظن أنها مما لا ينبغي أن يؤخذ به لتعارضٍ مظنون بينها وبين مقتضيات التوحيد المطلق لله تعالى.

أضف تعليق