بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ليست كل آيات القرآن العظيم سواء. فهذا القرآن أنزله الله تعالى مشتملاً على آياتٍ محكماتٍ وصفها الله تعالى بأنها “أم الكتاب”، وأخر متشابهات أنبأنا هذا القرآن بأن لا أحد يعلم تأويلها إلا الله تعالى. ولقد جاءتنا سورة آل عمران بنبأ هذه الآيات المحكَمات، والآيات الأُخر المتشابهات. وعلَّمتنا هذه السورة ما ينبغي أن يكون عليه تصرُّفنا حيال كلا هاتين الطائفتين من الآيات الكريمة. فالراسخون في العلم يُقرُّون بأن كلا الطائفتين هي من عند الله تعالى، وذلك لإيقانهم أن هذا الإقرار هو مما يستدعيه ويقتضيه ويتطلبه ويستوجبه الإيمان بإلهية القرآن العظيم. فالقرآن العظيم لا ينبغي أن يكون كله على نسق واحد من الإحكام حتى يؤمن به العقل، وذلك طالما كان الإيمان بإلهية هذا القرآن قائماً بالغيب. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبر الآية الكريمة 7 آل عمران (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).
إن الآيات المتشابهات في القرآن العظيم تفرض على العقل وجوب الإيمان بإلهيتها، وإن كان هذا العقل يجد أن من العسير عليه القبول بأنها من عند الله تعالى، وذلك طالما كان الإيمان بإلهية القرآن العظيم يقتضي وجوب أن يُصار إلى عدم التفريق بين آيات القرآن المحكمات وآياته المتشابهات.
وإذا كان هذا هو ما ينبغي أن يكون عليه تعامل الراسخين في العلم مع آيات القرآن المتشابهات، فإن “اللامعقول” في هذا القرآن بقتضي بأن يُعامَل بالمثل فلا يُحتكم بشأنه إلى العقل، وذلك طالما كان الإيمان بإلهية القرآن العظيم يستوجب ضرورة القبول بـ “اللامعقول القرآني”، وإن تعذَّر على هذا العقل فقه آلية وكيفية حدوث هذا اللامعقول وتجلِّيه على أرض الواقع في هذا الزمان، أو في الماضي السحيق، أو في المستقبل البعيد. فالمؤمن بإلهية القرآن العظيم يدرك أنه مضطر إلى القبول بما ورد في هذا القرآن من أمورٍ غير معقولة، وذلك وفقاً لما يقضي به العقل الذي لا قدرةَ له على تقبُّل ما يتعارض ويتناقض مع بديهياته ومسلَّماته القائمة على اشتراط وافتراض أن كل ما يحدث في الوجود خاضع لتلك القوانين التي تأتى له الوقوع عليها من بعد طول بحثٍ في مفردات عالم الشهادة الذي خُلق هذا العقل ليتفاعل ويتعامل معه كيما يتسنى له أن يعين صاحبه على أن يعيش في هذا العالم الذي صاغت وقائعه وظواهره وأحداثه أسبابٌ خلقها الله تعالى وتوارى في عالم الغيب من وراء حجابها.
فالعقل لا يمكن على الإطلاق أن يقبل بأن تستحيل العصا الميتة حيةً تسعى، وأن تعود هذه عصا ميتة مرةً أخرى! وهذا العقل عاجز عن أن يجد تعليلاً يفسر به كيفية انتقال عرش الملكة من اليمن إلى فلسطين بلمح البصر! كما أن هذا العقل لا يمكن أن يفقه الكيفية التي تنزَّلت بها المائدة من السماء! ناهيك عن عجز هذا العقل عن فهم الكيفية التي تأتى لطيور سيدنا إبراهيم الأربعة أن تُبعث من بعد تمزيقها إرباً إرباً! وهكذا فإن عقل الإنسان مضطرٌ إلى الإيمان بكل هذا اللامعقول الذي جاءنا به قرآن الله العظيم، وذلك إذا ما أرادَ صاحب هذا العقل أن يكون من الراسخين في العلم، الذين أيقنوا أن الإيمان بالله تعالى يقتضي وجوب أن يعملوا على إجبار عقولهم على تقبُّل اللامعقول، وذلك طالما كان إيمانهم بالله تعالى قائماً بالغيب.
