هل كل ما في القرآن معقول؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ان الذين يخشون ربهم بالغيبمن بين ما يستدعيه ويتطلبه ويستوجبه تديُّنك بدين الله تعالى أن تؤمن بإلهية القرآن العظيم، وأن تصدق بكل ما جاء فيه، وإن كان عقلك عاجزاً عن أن يعقل ما يقرأ أو يسمع مِن هذا القرآن. ولقد ذكر القرآن العظيم واحدةً من مواصفات وشرائط الإيمان بالله تعالى وبما جاءنا منه، وهي: أن يكون هذا الإيمان قائماً بالغيب. والإيمان بالغيب هو ليس إيماناً بغيبيات دين الله تعالى كما قد يتوهم البعض، ولكنه توصيف لكيفية هذا الإيمان القائم على انتفاء الحاجة إلى أن يكون لما تؤمن به حضورٌ بمقدورك أن تنظر إليه فتراه وتبصره. ودليل ذلك هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآيات الكريمة التي وردت فيها عبارة “بالغيب”: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (3 البقرة)، (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) (من 94 المائدة)، (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) (من 61 مريم)، (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (من 49 الأنبياء)، (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) (من 11 يس)، (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) (33 ق)، (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (من 18 فاطر)، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) (من 25 الحديد)، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (12 الملك).

إذاً فالإيمان بالغيب يعني أن تؤمن بالله دون أن يتفق إيمانك هذا مع ما يقتضيه عقلك. فالإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر وبكتبه وبرسله فيه مما يتعارض مع مقتضيات العقل ما فيه. والمؤمن الحق هو الذي يُقسر عقله على أن يتشرب هذا الإيمان القائم على الغيب بالضرورة، وألا يحتكم إلى عقله فيحكم على مفردات الإيمان وفقما يقتضيه هذا العقل الذي سبق وأن صاغته وشكَّلته مفردات عالم الشهادة.

وبذلك يتبين لنا أن القرآن العظيم لا يضيره على الإطلاق أن يكون فيه من اللامعقول ما يتناقض ويتعارض مع عقولنا التي ليس بمقدورها أن تعقل إلا ما هو معقول من مفردات دنيانا هذه.

أضف تعليق