بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ذكرتُ في منشوراتٍ سابقة أن الله تعالى، ومن بعد أكل أبوينا من الشجرة التي نُهيا عنها، توجَّه إليهما بخطاب شمل به الجماعة الإنسانية بجميع أفرادها إلى يوم الدين فقال: (اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (من 123 -124 طه). ولقد تكرر هذا الخطاب الموجَّه لآدم وحواء، والشامل لذريتهما كلها جميعاً، في موضعين آخرين: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (من 36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (24 -25 الأعراف)
وهذا الأسلوب القرآني في المخاطبة تكرر في مواطن عدة أذكر منها في هذا المنشور موطنين إثنين، الأول هو: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (11 الحاقة)؛ فهذه الآية الكريمة تتحدث عن أصحاب سفينة سيدنا نوح عليه السلام، ولقد كانوا قلة قليلة وذلك كما أنبأتنا به الآية الكريمة 40 من سورة هود (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ). إذاً فالله تعالى يشير في هذه الآية الكريمة إلى عموم الجماعة الإنسانية التي نشأت عن سيدنا نوح عليه السلام ومن آمن معه.
والموطن الثاني هو: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (11 الأعراف). إذاً فالله تعالى يخطاب عموم الجنس البشري في حديثه عن أبيهم سيدنا آدم عليه السلام.
وهكذا يتبين لنا أن من بين خصائص الأسلوب القرآني الذي تفرَّد به قرآن الله العظيم أن الخطاب قد يتوجَّه إلى المخاطَب فلا يقتصر عليه ولكن يتعداه ليطال آخرين قد يبلغ تعدادهم عدد أنفس بني آدم إلى يوم القيامة!
