بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قالت العرب قديماً إن المستحيلات ثلاثة: الغول والعنقاء والخِل الوفي. ومن هنا جاءت عبارة “رابع المستحيلات”. وإذا كان هناك ثمة من مستحيل رابع، فلا أحسبه أن يكون إلا يوم القيامة، الذي هو المستحيل بعينه، وذلك كما هو محكوم عليه من قبل قوانين العلم التي لا يمكن لها أن تُخرَق حتى يكون بالإمكان حدوث يوم القيامة، وذلك من منظور هذا العلم بايولوجيا وفيزياء وكيمياء وطباً! إلا أن القول هو ليس بالضرورة ما يقوله العلم بقوانينه التي يصر على أنها غير قابلة للخرق! فنحن نصدق بكل ما جاءنا به القرآن العظيم من حقائق، إن العلم عارضها وحكم باستحالتها فإن حكمه هذا هو غير مُلزم لنا بأن نصدقه، وذلك طالما كنا مضطرين إلى القبول بكل ما جاءنا به هذا القرآن، حتى ولو كان في ذلك تناقض صارخ مع ما يقضي به العلم ويستوجبه. فإذا كان العلم لا يريد أن يصدق بأن قوانيه التي يصر على النظر إليها على أنها غير قابلة لأن تُخرق، فهذا شأنه وليس شأننا نحن الذين نصدق ما جاءنا به القرآن العظيم من نبأ يقين من أن الله تعالى قادر على أن يخرق قوانين العلم التي يستند إليها هذا العلم في حكمه باستحالة قدوم يوم القيامة لتناقض مفردات هذا اليوم مع قوانينه التي غاب عنه أنها وليدة ظاهر هذه الحياة الدنيا، غياب باطن هذه الحياة الذي جاءنا القرآن العظيم بتجلياتٍ ظاهرةٍ للعيان فيما أجراه الله تعالى لأنبيائه وخاصة أوليائه من معجزاتٍ وكراماتٍ وخوارق عادات وغرائب وعجائب إن هي أعجزت العلم عن أن يعلل لها وفق ما انتهى إليه من معرفةٍ بقوانين ظاهر الحياة الدنيا، فإنها تبرهن في الوقت ذاته على عدم استحالة قدوم يوم القيامة الذي تتطابق هذه الظواهر غير المألوفة مع ما سيجيؤنا به هذا اليوم من غريب الأمور وعجيبها.
إذاً فيكفي يوم القيامة برهاناً ودليلاً على إمكانية قدومه، وذلك على قدر تعلق الأمر بالاحتكام إلى ما يقضي به المنطق، أن يكون القرآن العظيم قد جاءنا بعشرات البراهين والأدلة على أن هناك من الظواهر ما ينبغي على العلم أن يضطر إلى مراجعة أحكامه المستقبلية فلا يجزم ويقطع باستحالة قدوم يوم القيامة، أما وقد تبيَّن له أن هناك من وقائع هذه الحياة الدنيا وأحداثها ما قد أعجزه عن أن يعلل لها وفق منظومته المعرفية.
إذاً فاليوم الآخر ليس مستحيل القدوم، كما يزعم العلم ويقطع ويجزم، ولكنه يومٌ قادمٌ لا ريب فيه كما ينبغي أن يكون عليه إيماننا به. ويكفي هذا دليلاً وبرهاناً على أن العلم علمٌ والدين دينٌ ولن يلتقيا أبداً حتى يقر العلم بعجزه البنيوي عن أن يكون بمقدوره الحكم باستحالة حدوث ما لم يحط به علماً، وهذا مصداق قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (84 النمل).
