بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ليست كل الأعمال الصالحة سواء؛ فمن الأعمال ما هو صالح ولا يرضاه الله. وقد يبدو هذا القول صادماً لأول وهلة، إلا أن تدبُّر الشرائط التي دونها لا يكون العمل، وإن كان صالحاً، مرضياً عند الله، كفيلٌ بتبيان الأمر فلا يعود بعدها صادماً. فالعمل الصالح، حتى يكون مرضياً عند الله تعالى، لابد من أن يكون مصحوباً بالإيمان. فلا عملَ صالحاً يرتضيه الله ما لم يكن هذا العمل قائماً على أساسٍ من الإيمان بالله واليوم الآخر. فالإيمان بالله واليوم الآخر هو الكلم الطيب الذي يجعل من العمل الصالح عملاً يرتضيه الله تعالى. وهذا التمييز بين العمل الصالح الذي يرتضيه الله، وغيره من العمل الصالح، هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيتين الكريمتين: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (من 15 الأحقاف)، و(وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (من 19 النمل).
فالعمل الصالح إن لم يكن مقصوداً به الله تعالى، فهو عملٌ لا يرضاه الله، وذلك طالما كانت النية من ورائه ابتغاء مرضاة غير الله، وهذا هو الرياء الذي نهى عنه الله بقوله تعالى: (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (من 264 البقرة)، (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) (38 النساء)، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (47 الأنفال).
فعملك الصالح لن يرتضيه الله تعالى إلا إذا كنت من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر؛ فهذا الإيمان هو قولك الطيب الذي يصعد بعملك الصالح إلى الله فيرفعه تعالى إليه كنايةً عن ارتضائه وقبوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (من 10 فاطر).
وهذا الارتباط الوثيق بين الإيمان والعمل الصالح هو ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (124 النساء)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (97 النحل)، (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (19 الإسراء)، (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) (112 طه)، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) (94 الأنبياء)، (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) (من 40 غافر)، (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (من 9 التغابن)، (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) (من 11 الطلاق).
ولقد حرص القرآن العظيم على تبيان هذا الارتباط الموضوعي بين الإيمان والعمل الصالح، وذلك بتشديده على أن الذين آمنوا بالله واليوم الآخر حقاً هم “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”، فجاءت عبارة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) 51 مرة في القرآن العظيم. ولقد حسم الأمر حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله الفصل “إنما الأعمالُ بالنيَّات، ولكل امرءٍ ما نوى”. فما تخاله عملاً صالحاً يرتضيه الله قد لا يكون كما تحسب، وذلك طالما كانت النية من ورائه ليست خالصةً لوجه الله تعالى.
إذاً آمن بالله واعمل صالحاً لعل الله يرتضي عملك الصالح هذا.
