بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يخطئ من يظن أن القول بالحقيقة المحمدية يقتضي وجوب أن يُصار إلى اعتبار أن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لم يُخلق من طين كباقي البشر! فالحقيقة المحمدية بريئة من كل ما نُسب إليها من أقوالٍ ظن أصحابها أنهم بهذا التعظيم لحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إنما يزيحون النقاب عن جانبٍ من خفايا حقيقته المحمدية! ولقد بلغت مغالاة هؤلاء ومبالغتهم في تقدير حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بغير الحق أنهم قالوا بأن أصل خلقته من نور، وذلك على خلاف الخلقة الطينية التي هي الأصل الذي انبثق منه باقي البشر! ولقد فات هؤلاء المغالين المبالغين أن الأصل الطيني ليس بحائلٍ دون أن يبلغ بصاحبه أعلى مراتب الكمال إذا ما جد واجتهد على الطريق الإلهي إلى الله منضبطاً بضوابط هذا الطريق ومحدداته، والتي ليس هناك من سبيلٍ غيرها للسمو والارتقاء!
فإذا كان أصل خلقة حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الطين، فإن ما انتهى إليه من سمو وارتقاء، جعلاه أقرب خلق الله إلى الله، لم يقف هذا الطين حائلاً دونه. ولست أدري كيف فات هؤلاء القائلين بأن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خُلق من نور، أن القرآن العظيم قد جاء فيه ما هو كفيل بأن يبرهن على الخلقة الطينية لحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك في مواطن كثيرة يتبيَّن لمتدبِّرها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما كان ليقوم بهذا الفعل أو ذاك لولا أنه كان قد خُلق من طين مثل غيره من بني آدم. فكيف فات هؤلاء تدبُّر الآيات الكريمة التالية:
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (28 الكهف)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) (من 37 الأحزاب)، (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِين) (43 التوبة)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (1 التحريم)، (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) (52 الأحزاب)، (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (1 -2 الفتح)، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين) (3 يوسف)، (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (147 البقرة)، (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (35 الأنعام)، (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِين. وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين. وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (86 -88 القصص).
إن تدبُّر ما تقدم من آياتٍ كريمة كفيلٌ بجعلنا نتبيَّن أن لا موجب هناك للتنطُّع وافتراض ما ليس له أن يكون فيه تعظيمٌ لحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك طالما كان كل ما تجلى من براهين ودلائل على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مخلوقٌ من طين كباقي البشر لم يحُل دون أن يبلغ صلى الله تعالى عليه وسلم بمجاهداته ومكابداته وصادق حبه لله تعالى ما جعل منه حبيب الله تعالى وأقرب خلقه إليه.
ولقد حسم حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الأمر بقولٍ فصل إذ قال: “أدَّبني ربِّي فأحسنَ تأديبي”.
