“الجسم” و”البدن” و”الجسد” في القرآن العظيم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ولقد ضربناذكرتُ في منشوراتٍ سابقة أن لغة القرآن العظيم تتفوق بعربيتها على عربيتنا التي توارثناها وأعملنا فيها من التحوير والتغيير ما جعلها لا تتطابق بالضرورة مع العربية القرآنية. وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن كلمات “الجسم” و”البدن” و”الجسد” كما وردت في قرآن الله العظيم. فوفقاً لعربيتنا الدارجة فإننا نعتبر هذه الكلمات الثلاث مترادفات بذات المعنى. وهذا ما لا توافقنا عليه عربية القرآن العظيم. فـ “الجسم” في القرآن هو ليس “البدن”، وهو ليس “الجسد” أيضاً. فـ “الجسم”، وفقاً لعربية القرآن، هو ما يمكِّن المخلوق البايولوجي من أن يعيش ويحيا إلى حين، حتى إذا ما مات أصبح هذا الجسم بدناً قد فارقته الحياة. وكل مصنوعٍ على مثال أي مخلوقٍ بايولوجي، حيواناً كان أم إنساناً، هو وفقاً لعربية القرآن “جسد” لا حياة فيه.

والآن لنتدبر الآيات القرآنية الكريمة التي جاء فيها ذكر كل ما له علاقة بما تقدم. فلقد وردت كلمة “جسم” مرةً واحدة في القرآن العظيم، وذلك في سياق الآية الكريمة: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم) (247 البقرة). وبهذا المعنى جاءتنا الآية الكريمة 69 الأعراف (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). فكما زادَ اللهُ تعالى سيدنا طالوت عليه السلام بسطةً في الجسم، فإنه تعالى كان قد زادَ قوم سيدنا هود عليه السلام في الخلق بسطة فجعلهم ضخام الجسم.

ثم أن القرآن العظيم جاءت فيه كلمة “أجسام” بذات المعنى، وذلك في الآية الكريمة 4 من سورة المنافقون (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).

أما كلمة “بدن”، فلم ترد في القرآن العظيم غير مرةٍ واحدة وذلك في سياق حديث الله تعالى عن جثة فرعون لعنه الله والتي حفظها الله تعالى من أن تغرق فأخرجها من البحر لتكون لمن بعده آيةً على ما حدث له ولجنوده من إغراقٍ إلهي أبيدوا بموجبه عن بكرة أبيهم، وليكون عبرةً لكل من توهَّمه إلهاً كما كان يزعم: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (92 يونس).

ولقد وردت كلمة “جسد” بمعنى “التمثال”، وذلك في الآيات الكريمة التالية: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين) (148 الأعراف)، (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (88 طه)، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) (7 -8 الأنبياء)، (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (34 ص).

وبذلك يتبيَّن لنا أننا نخطئ إذ نطابق بين “الجسم” و”الجسد” و”البدن” في عربيتنا التي تبيَّن لنا أن قرآن الله العظيم يفوقها دقةً في التعبير واختيار الكلمة المناسبة للسياق، وذلك حتى يبلغ المعنى هدفه على أكمل وجه.

أضف تعليق