بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لله حدود ما كنا لنعرف عنها شيئاً لولا أنه تعالى عرَّفنا بها في قرآنه العظيم: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) (من 187 البقرة)، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (من 230 البقرة)، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (4 المجادلة).
وحدود الله تعالى هذه أمرٌ عظيمٌ جلَل حتى أن الله تعالى توعَّد من يتعداها بجهنم وبئس المصير (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِين) (14 النساء). وحدود الله تعالى هذه تقتضي ممن آمن بالله واليوم الآخر وأطاعَ اللهَ ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقيمها ويحفظها، وهؤلاء هم الذين سيكافئهم الله على لزومهم حدوده بما فصَّلته الآية الكريمة 13 النساء (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
ويكفي حدود الله شرفاً أن الحافظين لها هم مَن منَّ الله عليهم فامتدحهم بقوله تعالى (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (112 التوبة).
فالمؤمنون بالله حقاً هم الذين يخافون ألا يقيموا حدود الله، وذلك لإيقانهم أنهم إن لم يقيموا حدود الله فقد تعدوها (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (من 229 البقرة)، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه) (من 1 الطلاق).
إن لزوم حدود الله تعالى بالحفظ والإقامة هو الدليل والبرهان على حسن الأدب مع الله تعالى الذي لا نجاة من شديد عذابه في الدنيا والآخرة إلا بإتقان التأدُّب معه. فيكفينا أن نستذكر حديث حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم “أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي”. فلزوم الأدب مع الله تعالى يقتضي الوقوف عند حدوده تعالى تصديقاً وإيقاناً بأنه ما فرض علينا هذه الحدود إلا رحمةً منه تعالى بنا. والعاقل ليس بحاجةٍ لأن يُعرَّف غير ما يتوجَّب عليه أن يلزمه فلا يتعداه، فهو ليس بالمتطلِّع إلى معرفة ما أحجم عن تعريفه به خالقه الذي لو علم أن في التعريف خيراً له لعرَّفه.
