واتخذناه وراءنا ظهرياً

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ففروا الى اللهعابَ سيدنا شعيب عليه السلام على قومه أنهم كانوا يظنون أن رهطه هو من كان يحول بينهم وبين أن يصلوا إليه، وأنهم بهذا الظن الواهم قد استبعدوا الله تعالى من المشهد، وغاب عنهم بالتالي ما اتخذوه وراءهم ظهرياً، فلا قدرة لهم والحال هذه على أن يدركوا أن الأمر كله لله الذي تكفَّل بحفظه عليه السلام فلا قدرةَ لهم على أن ينالوا منه (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (91 -92 هود).

وحال إنسان هذا العصر لا يختلف كثيراً عن حال قوم سيدنا شعيب عليه السلام، وذلك لأنه هو الآخر قد استبعد الله تعالى من المشهد العام، فأصبح يعلل لهذا وذاك من أمور دنياه دون أن يلتجئ إلى من سبَّب الأسباب وتوارى من وراء الحجاب تاركاً عقل هذا الإنسان ألعوبةً بيد هواه يحرِّكه أنى يشاء! وهذا الاستبعاد لله تعالى لم يعد على إنسان هذا الزمان إلا بكل ما هو كفيلٌ بجعله وحيداً في مواجهة أعدائه ممن لا قدرةَ له على أن يراهم. ويتصدَّر قائمة هؤلاء الأعداء غير المرئيين الشيطان الرجيم وقبيله (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون) (27 الأعراف). فكل مشاكل إنسان هذا العصر مردُّها إصراره على اتخاذه الله تعالى وراءه ظهرياً. فالله تعالى عندما أمرنا بوجوب أن نلزم عبادته فلا نفارقها كان يريد منا أن يكون بمقدورنا أن نحسن التعامل مع ما قُدِّر لنا أن نتفاعل معه من مفردات هذا الوجود فلا نكون وحيدين في مواجهتها كما هو حال إنسان هذا الزمان الذي استبعد الله تعالى واتخذه وراءه ظهرياً فكان حقيقاً على الله أن يُشغِل به كل ما كان كفيلاً بجعل عيشه على هذه الأرض شقياً نكداً!

إن السبيل الوحيد لانعتاق إنسان هذا الزمان من كل ما يقيِّده من إصرٍ وأغلال يكمن في فراره إلى الله تعالى بكل ما يستوجبه الأمر من انشغالٍ بالقلب منه والعقل بالله (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (50 الذاريات).

أضف تعليق