محمد الذي فرَّطنا فيه من قبل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

محمدانتهيت في منشور سابق إلى أن إنسان هذا الزمان جرَّ على نفسه من المصائب والويلات ما ليس باليسير إحصاؤه، وذلك بإصراره على أن يعرض عن الله تعالى ويفر منه عوض أن يفر إليه. وإنسانُ أمتنا ليس بدعاً من البشر حتى لا يكون هذا هو حظ دين الله تعالى منه. فالسواد الأعظم من أفراد الأمة المحمدية اتخذوا اللهَ تعالى وراءهم ظهرياً، وبرهان ذلك ما بمقدور كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن يشخِّصه في واقع حال الأمة التي قُدِّر لها أن تكون خير أمةٍ أُخرجت للناس شريطة التزام أفرادها بما بيَّنته وحدَّدته كلماتُ الآيتين الكريمتين (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) (104 آل عمران) و(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (110 آل عمران). فقدَر “أمة الذين آمنوا وعملوا الصالحات” هو أن تكون خير أمةٍ أُخرجت للناس، ولكن بشرط هذا الالتزام من جانب أفرادها بما يقتضيه الإيمان بالله والعمل الصالح. فلو التزم أفراد الأمة المحمدية بتنفيذ هذا الشرط لكان حقيقاً على الله تعالى أن يحقق لهم ما وعد في قرآنه العظيم فيستخلفهم في الأرض ويمكِّن لهم (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (55 النور).

وهذا أمرٌ منوطٌ بكل فردٍ من أفراد الأمة المحمدية، أي أنه فرض عينٍ لا فرض كفاية. ولذلك فإن انصراف الزمان عنا لا يمكن أن يكون إلا عقوبةً من الله تعالى على تقصيرنا في حقه علينا إذ اجتبانا وشرَّفنا برسالته الخالدة فأبينا إلا أن ننشغل عنها بالتصارع على دنيا سبق وأن نهانا عن الإنجرار وراء داعيها فينتهي بنا الأمر إلى خسران هذه الدنيا والدار الآخرة! ويبدو أننا لم نكتف بأن نتخذ الله وراءنا ظهرياً، بهذا الإعراض منا عن عبادته كما أمرنا، بل شرعنا ومنذ زمانٍ بعيد بالتفريط في سبب قوتنا ومصدر عزَّتنا: حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم! ولا أدل على هذا التفريط منا فيه صلى الله تعالى عليه وسلم من أن الأمة التي أرادها الله تعالى أن تكون خير أمة أُخرجت للناس أضحت أمما يكفِّر بعضها البعض ويقاتل بعضها البعض طمعاً في هذه الدنيا الزائلة التي لم نُخلق لها، والتي جعلنا حرصنا على الاستزادة من زائلها نزداد نأياً وابتعاداً عن قدَرنا هذا!

وإذا كان كبير أخوة سيدنا يوسف قد ذكَّر أخوته بما كان من أمرهم معه عليه السلام بتفريطهم فيه من قبل (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ)، فإن كل ما حولنا من شيء يذكِّرنا بتفريطنا بحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وإذا كان سيدنا يعقوب عليه السلام قد رُدَّ إليه بصره لحظة أن جاء البشير وألقى قميص سيدنا يوسف عليه السلام على وجهه، فلا ينبغي لنا أن نيأس من رَوح الله تعالى القادر على أن يلقي على وجوهنا ما هو كفيلٌ برد أبصارنا علَّنا نستدرك ما فاتنا فنعيد الاعتبار إلى من كان تفريطنا فيه العلة من وراء ما جعل منا بعيدين أشد البعد عن قدَرنا الذي كان ليجعل منا، لولا هذا التفريط منا، خير أمة أخرجت للناس.

أضف تعليق