تواجدٌ لا حلول

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

69abefbf7f9b8abc111fbd7808552c8f.jpgلا يمكن لله تعالى أن يكون في مكانٍ دون آخر، وذلك طالما كان له تواجدٌ في كل مكان دون أن يعني هذا أنه حِلٌّ بهذا المكان أو ذاك. فاللهُ تعالى متواجدٌ في الكون دونما حلول فيه، كما هو الحال مع موجودات الكون كلها جميعاً، والتي لا يمكن إلا أن يكون لتواجدها في مكان ما ينفي عنها التواجد في غيره. وإذا كان الله تعالى متواجداً في الكون دون أن يكون حِلاً به، فما ذلك إلا لأنه موجود خارج هذا الكون حيث لا يتواجد معه تعالى أحد من خلقه. وما الكون على اتساعه مجراتٍ وفضاء، سموات وأرضين، إلا قطرةً في بحرٍ إلهي لا شاطئ له. ولذلك يخطئ كل من يظن متوهماً بأن الله تعالى موجود في السماء، إذ كيف للسماء وهي مخلوقة أن يكون فيها خالقها الذي لا بداية له ولا نهاية، وهي المحدودة مكاناً وزماناً؟!
لذلك فإننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في الكثير من المصطلحات التي تواضعنا عليها ظناً منا وتوهماً بأن الله تعالى موجود في السماء، وهو الذي لا يمكن أن يكون حِلاً لا في هذه السماء ولا في أي مكان آخر، وذلك طالما كان الله تعالى متواجداً في كل مكان في هذا الكون، وطالما كان له تعالى وجود لانهائي خارجه. ومن هذه المصطلحات التي ينبغي أن يُصار إلى الكف عن استعمالها: الأديان السماوية، الكتب السماوية، عدالة السماء، … إلى آخره. فالقرآن العظيم إن كان قد ذكر أن الله تعالى في السماء، فإنه قد ذكر بأنه تعالى في الأرض أيضاً (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيم) (84 الزخرف).
ويخطئ من يظن أن في القرآن العظيم ما بالإمكان أن يُستدَل به على أن الله تعالى موجود في السماء، وذلك بالاستشهاد بالآيتين الكريمتين (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (16 -17 الملك). فتواجد الله في السماء لا ينفي تواجده تعالى في الأرض، كما يظن ويتوهم الجاهلون! ولست أدري كيف فات القائلين بأن الله موجود في السماء ما جاء في القرآن العظيم من أن السموات تكاد يتفطرن من فوقهن (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (5 الشورى)، وهذا الذي هو فوق السموات لا يمكن أن يكون إلا الله تعالى.
فإذا كانت الملائكة في السموات، فلابد وأن يكون الله تعالى فوق هذه السموات، وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيتين الكريمتين 49 -50 النحل (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
ثم أن الله تعالى ذكر في قرآنه العظيم أنه بكل شيء محيط. والكون على اتساعه هو شيء، وبالتالي فلا يمكن للكون أن يحوي الله تعالى الذي هو به محيط (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) (126 النساء)، (ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (من 54 فصلت).
فيكفيك أن الله تعالى جعل دينه الإلهي قائماً على أساسٍ من الإقرار بأن: “الله أكبر” من كل شيء، حتى ولو كان هذا الشيء هو الكون الذي يقول علم الفلك إنه مكوَّن من آلاف الملايين من المجرات!

أضف تعليق