بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
أمر الله تعالى نبيَّه الكريم محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يحدِّث بنعمة ربه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (11 الضحى). فاللهُ تعالى أنعم على حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بأن اجتباه واصطفاه واختصَّه برحمته، فكان أن جعله رسوله إلى الناس كافة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) (107 الأنبياء)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (28 سبأ). فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مأمورٌ من الله بالتبليغ والتحديث بنعمته تعالى عليه. وهذه النعمة هي فضلٌ من الله تعالى اختُصَّ به حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إذ اجتباه الله تعالى ليحمل رسالة القرآن العظيم إلى العالمين حتى قيام الساعة. وهذا الفضل الإلهي، الذي اختُص به حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد جاءنا القرآن العظيم بما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(73)يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (من 73 -74 آل عمران)، (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (105 البقرة)، (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (29 الحديد).
وفضل الله تعالى على حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم تجلى أيما تجلٍّ بهذا القرآن العظيم الذي تشرَّف صلى الله تعالى عليه وسلم بتنزُّله عليه (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (من 113 النساء)، (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا. إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) (86 -87 الإسراء). وهكذا يتبيَّن لنا أن الله تعالى عرَّف فضله الإلهي العظيم الكبير على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بدلالةٍ من تنزُّل القرآن العظيم على قلبه الشريف صلى الله تعالى عليه وسلم. وترابط الفضل والنعمة هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآية الكريمة (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (8 الحجرات).
وبذلك يتبيَّن لنا جلياً أن الله تعالى أوجب على رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحدِّث بنعمة الله تعالى عليه فيبلِّغ رسالته التي اكتمل بها دينه الإلهي فكانت هذه الرسالة تجلياً لتمام نعمته على المؤمنين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (من 3 المائدة).
والمؤمنون مأمورون هم أيضاً بأن يحدِّثوا بنعمة الله التي منَّ تعالى عليهم بها، إذ اختصَّهم برحمته التي تجلَّت عليهم بما بيَّنته الآيات الكريمة التالية: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين) (2 الجمعة)، (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون) (151 البقرة)، (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (164 آل عمران). وما ذلك إلا استجابةٌ من الله تعالى لدعاء سيدنا إبراهيم وسيدنا اسماعيل عليهما السلام (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) (129 البقرة).
فالتحديث بنعمة الله تعالى هو دعوة الناس إلى دينه الإلهي الحنيف الذي أنعم الله تعالى به على حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى المؤمنين. وهذا التحديث بنعمة الله تعالى هو فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ ومسلمة، ولا يُسقِط هذا الفرضَ حِملُهُ من قبل آخرين! فالتحديث بنعمة الله تعالى أُمِر به حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكُلِّف به كلُّ مَن انتمى لأمته المحمدية مقتفياً خطواته الشريفة ومقتدياً بهديه القويم ونهجه المستقيم (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (21 الأحزاب). ولقد أوجز حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الأمر بقوله الشريف “بلِّغوا عني ولو آية”.
وهكذا يدحض حديث حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هذا قولَ مَن يزعم بأن التحديث والتبليغ بنعمة الله تعالى فرض كفاية لا فرض عين. فالأمر لا يحتاج منك غير أن تحدِّث بنعمة الله تعالى فتبلِّغ عن حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولو آية بقلبٍ موقنٍ بإلهيتها، وبلسانٍ صادقٍ لا تكذِّبه الجوارح!
