بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

حضارتنا المعاصرة تُحتضَر، وهذه حقيقة لا يجادل فيها ويماري إلا من هو جاهلٌ أو ملاجج. فعالمنا أصبح مترعاً بكل ما من شأنه أن يُنبئ بما ستؤول إليه أمور حضارتنا المعاصرة هذه. وأنت لن تحتاج للتثبُّت من هذه الحقيقة غير أن تُعمِل عقلك فيما بين أيدينا من براهين وأدلة على ما جنته يد إنسان هذا العصر على عالمه وبيئته براً وبحراً وجواً. فالاحتباس الحراري أمرٌ واقع، والتغير المناخي حقيقةٌ لا مراء فيها، وتلوث البيئة واقعٌ لا جدال فيه. وهذه كلها جميعاً ليست إلا بعضاً من علامات ونذُر القادم الأسوأ. ونحن إذا ما تسنى لنا أن نعمل على صياغة وصيةٍ لحضارتنا المعاصرة، التي باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي تحتضر، فإن أهم ما ينبغي ألا يغيب عن بالنا هو النصيحة التي يتوجب على إنسان هذه الحضارة أن يتوجه بها إلى إنسان الحضارة التي ستخلفها. وخلاصة هذه النصيحة هي أن لا يُغيَّب الله فيُستبعَد بالتمام والكلية كما تفعل حضارتنا المعاصرة. فتغييب الله تعالى لم يعد على مَن سبقنا من حضاراتٍ، فرحت بما عندها من العلم وظن أهلها أنهم قادرون عليها وأنهم غالبون على أمرهم، إلا بما جعل منهم يُبادون عن بكرة أبيهم فلم يبق مما يدل عليهم إلا مساكنهم. فيكفينا أن نُكثر من تدبُّر الآية الكريمة 24 يونس (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
فإذا ما أرادت الحضارة القادمة ألا يكون مصيرها مصير حضارتنا المعاصرة، فإن ما يتوجب عليها القيام به يتلخَّص بما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآية الكريمة 50 الذاريات (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ).
