من المعاني الغائبة لـ “إن الحكمُ إلا لله”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماًAddText_10-04-09.58.01.JPEG

ليس لأيٍّ من معاني (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) ما يتَّفق مع ما ذهب إليه نفرٌ ضال ممن أسقطوا آيديولوجياتهم على النص القرآني بغية استصدار تأصيلٍ لما زعموا بأن هذه العبارة القرآنية الكريمة تؤيد مذهبهم القاضي بأنهم الأنسب والأصلح لحكم البلاد والعباد طالما كانوا أكثر أفراد الأمة فقهاً لدين الله تعالى وفهماً لما جاء به قرآن الله العظيم! وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر المواطن الثلاث التي وردت فيها العبارة القرآنية الكريمة (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ): (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (57 الأنعام)، (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (40 يوسف)، (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (67 يوسف).
فتدبُّرُ هذه الآيات الكريمة كفيلٌ بجعلنا نتبيَّن أن المراد بالعبارة القرآنية الكريمة (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) لا علاقةَ له البتة، من قريبٍ أو بعيد، بنظام الحكم كما توهَّم القائلون بما يُسمى بـ “الإسلام السياسي”! فالآية 57 من سورة الأنعام تنص صراحةً على أن الأمر ليس موكولاً إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى يتصرف وفق ما كان يفترضه كفار قريش، وذلك طالما كان الحكمُ لله تعالى الذي قضت مشيئته وشاءت إرادته أن يكون مصير هؤلاء الكافرين مأجولاً بأجلٍ ليس بمتقدِّم ولا بمتأخر.
أما الآية الكريمة 40 من سورة يوسف، فـ (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) فيها مقصودُه هو أن الدين ليس للإنسان حتى يصيغه ويشكِّل مفرداته وفقما تُملي عليه نفسُه ويضطرُّه إليه هواه. فالدين دينُ الله، وهو الأدرى بما ينبغي على الإنسان أن يتديَّن به حتى يتحقق له ما أراده اللهُ له وهو الحكيم الخبير. فـ (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) في هذه الآية الكريمة تقطع وتجزم باستحالة أن يكون بمقدور الإنسان أن يختلق من بنات أفكاره ديناً فيتمكن بوساطةٍ منه من أن يكون على شيء. فالدين الحق هو ما جاءنا به الله، وليس ما جاءتنا به النفس وزيَّنه الهوى.
وأما (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) في الآية الكريمة 67 من سورة يوسف، فإن مرادها بالإمكان تلخيصه بما يتوجَّب على العبد المؤمن أن يكون عليه حاله مع الله تفويضاً لأمره إليه تعالى، وتسليماً يقوم على أساسٍ من اليقين المطلق بأن الأمر كله لله، وأنه مهما فعل فإن ما ستؤول إليه الأمور ليس بالضرورة أن يخضع لما يقضي به قانون السبب -النتيجة، وذلك طالما كان الأمر لله تعالى من قبل ومن بعد، فإن شاء محى وإن شاء أثبت (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (39 الرعد).
هذه معانٍ ثلاث لـ (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) تتظاهر كلُّها جميعاً على تبيان ما لله تعالى من “تسلُّط متفرِّد” على الوجود وقائع وأحداثاً فلا فسحة هناك لما يتناقض، أو يتعارض، أو يتضاد مع إرادته ومشيئته تعالى.
وبذلك يتبيَّن لنا جلياً مقدار الضلال البعيد الذي انتهى إليه كل مَن آثر الآيديولوجيا على النص القرآني، فكان حقيقاً على الله ألا يُخرجه من ظلمات النفس إلى نور الهدى، فحقَّت عليه كلمة الضلالة إلى أبد الآبدين!

أضف تعليق