بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لله تعالى في خلقه نمطا تدخُّلٍ إلهي لا ثالث لهما: تدخلٌ مباشرٌ دونما وساطةٍ من أسباب عالم الحجاب، وآخرُ غير مباشر بأسبابٍ يُسبِّبها وهو مسبب الأسباب. ولذلك كان لله تعالى هذا التسلُّط المتفرِّد على كل ما في الوجود، فلا حكمَ إلا له تعالى بأي نمط تدخلٍ شاء. فالحكم لله ولا حكمَ لأحدٍ سواه، وهو لذلك خيرُ الحاكمين: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (87 الأعراف)، (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين) (109 يونس)، (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (من 80 يوسف).
كما أنه تعالى أحكمُ الحاكمين إذ هو المتحكم بغيره من الحاكمين الذين ما كان أن يكون لهم حكمٌ لولا أنه حكَّمهم بإذنه فيما يشاء. فالحكمُ لله أولاً وآخراً، والحكم لله من قبلُ ومن بعد، وإن توارى من وراء حجاب الأسباب فتوهَّم الجاهلون أنه ليس هو مَن حكَّم مَن شاء فكان من الحاكمين: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (45 هود)، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) (7 التين).
يتبيَّن لنا إذاً بتدبُّر الآيات الكريمة أعلاه أن الله تعالى متحكِّمٌ بالوجود بتدخُّله المباشر، كما يتجلى بفعل “كن فيكون”، وبتدخُّلٍ آخر غير مباشر بأسبابٍ توارى من وراء حجابها وسلَّطها على ما شاء من وقائع وأحداث هذا الوجود.
