بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يعجز الإنسان عن الوقوع على حقيقة الأشياء وما هي عليه حقاً وحقيقة، وما ذلك إلا لأن الإنسان قد ابتلاه اللهُ تعالى بنفسٍ تحول بينه وبين أن يكون بمقدوره أن ينظر إلى الأشياء حواليه فيراها كما كان من المفترض أن يراها دون تدخلٍ من هذه النفس التي تأبى إلا أن تكون حائلاً بينه وبين حقيقة هذه الأشياء. فعوض انشغال الإنسان بالأشياء حواليه، تعمل نفسه جاهدةً على أن ينشغل بها انشغالاً لن يجعل له ما يمكِّنه من الانصراف عنها إلى التعامل مع هذه الأشياء، وبما كان ليجعل منه يتعرف إليها فيعرفها. ولذلك شابت معرفة الإنسان بالأشياء مداخلاتٌ فجة من نفسه مما أسفر عن كون هذه المعرفة عاجزةً عن استبيان واستجلاء حقيقة هذه الأشياء. فكل ما يعرفه الإنسان عن الوجود وموجوداته كان لنفسه من التأثير في هذه المعرفة ما جعل منها بعيدةً كل البعد عن تبيان الحقيقة التي لا وصول للإنسان إليها وهو خاضعٌ لنفسه عاجزٌ عن الإفلات والانعتاق من قبضتها.
ولذلك كانت المعرفة البشرية بالوجود ومفرداته مشوبةً بشوائب فرضتها تدخلات النفس البشرية هذه. ولذلك كان أيضاً من المستحيل على الإنسان أن يحصل على المعرفة الحقة بالوجود وموجوداته دون تخلُّصه من هذه التدخلات التي لا خلاص له منها إلا بتخلُّصه من نفسه. وهذا أمرٌ عسيرٌ ليس باليسير، وذلك طالما كانت النفس على قدرٍ عظيم من المقدرة على المراوغة والتملُّص والتفلُّت من أية محاولة غير جادة للتخلُّص والانعتاق منها. ولذلك كان التصوف هو السبيل الوحيد ليتمكن الإنسان من نفسه فلا يجعل لها ما يمكِّنها منه. فالتصوف عدو النفس، وهو الأقدر على مجاهدتها، وكيف لا والتصوف هو ممارسة الإسلام بإتقان يحتِّم على المتصوف أن يكون صادقاً مع الله تعالى الصدق الذي يريده الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (119 التوبة)، (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (23 الأحزاب).
ولأن التصوف هو ممارسة الإسلام بإتقان، فإنه الأقدر بالتالي على أن يناجز النفسَ فيصرعها، وذلك طالما كان إتقان الإسلام هو دواء كل داء تحتَّم على الإنسان أن يعاني منه جراء ابتلائه بهذه النفس أُس كل خطيئة ومعصية. فإذا ما تأتى للمسلم أن يتقن إسلامه، فإن هذا الإتقان سيمكِّنه من إزاحة نفسه بعيداً فلا يعود بمقدورها أن تكون حائلاً بينه وبين الوجود وموجوداته، فيتسنى له بذلك أن ينظر إلى الأشياء فيراها على ما هي عليه حقاً وحقيقةً كما خُلقت ليعرفها.
ولذلك كان المسلم الحق ينظر إلى الأشياء بنور الله الذي لن يجعله الله إلا لمن جاهد نفسه حتى لم يعد بمقدورها أن تعيق نشوء آصرة المعرفة الحقة، والتي لا سبيل لأن تُعرف الأشياء على ما هي عليه إلا بها. وصدق حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذي قال: “إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله”. وصدق الله العظيم الذي قال في قرآنه العظيم: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (122 الأنعام).
