بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظن كثيرٌ من أدعياء التصوف والجُهَّال بما انطوى عليه من علمٍ رصين أن بإمكانهم أن يأتوا بتأصيلٍ قرآني لواحدةٍ من أهم ما يقوم عليه التصوف من ركائز سلوكية، وهي “الصحبة”، وذلك بالرجوع إلى ما كان من أمر سيدنا موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر عليه السلام كما جاءتنا سورة الكهف بنبأ عنه وذلك في الآيات الكريمة التالية :(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(65)قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(67)وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا(68)قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا(69)قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا(70)فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا(71)قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا(73)فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا(74)قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(75)قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا(76)فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا(77)قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(78)أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79)وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا(81)وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)).
ولقد فات هؤلاء أن سيدنا موسى عليه السلام لم يسأل سيدنا الخضر عليه السلام أن يأذن له بصحبته، إذ أنه لم يُرد غير أن يتَّبعه فيعلِّمه مما عُلِّم رُشدا (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا). ثم أن سيدنا الخضر عليه السلام بيَّن له أنه لن ينتفع من اتِّباعه بشيء وذلك لأنه لن يستطيع معه صبراً إذ كيف سيصبر على ما لم يُحط به خبراً. فكان أن حدث ما حتَّم على سيدنا موسى عليه السلام أن يفارق سيدنا الخضر عليه السلام من بعد ما تبيَّن له أنه لن يتعلَّم منه شيئاً، وذلك طالما كان العلم الذي اختُصَّ به سيدنا الخضر عليه السلام هو علمٌ من لدن الله تعالى فلا سبيل إلى التعرف عليه إلا من بعد إنباءٍ وتأويلٍ هما ما يُميزان هذا العلم اللدني الذي ليس هناك من شبه على الإطلاق بينه وبين ما اختُصَّ به سيدنا موسى عليه السلام من علمٍ إلهي برسالات الله وكلامه (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِين) (144 الأعراف). فسيدنا الخضر عليه السلام ما كان له أن يعلم شيئاً عن العلم الإلهي الذي كان عند سيدنا موسى عليه السلام. وهذا هو ما كان عليه حال سيدنا موسى عليه السلام الذي لم يكن بمقدوره البته أن يعلم شيئاً عن العلم اللدني الذي كان قد اختص به سيدنا الخضر عليه السلام. فما كان اتباع سيدنا موسى عليه السلام لسيدنا الخضر عليه السلام لينفعه وذلك طالما كان ما اختُص به كل منهما من علم الله لا سبيل هناك للتوفيق بينه وبين الآخر إنباءً وتأويلاً.
ولقد أنبأتنا سورة الإسراء بأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلاً. والعلم هنا هو علم الله حصراً وليس ما بالإمكان أن يُستحصل من علمٍ بإعمال العقل.
وهكذا يتبيَّن لنا جلياً ألا أصل هناك قرآنياً لـ “الصحبة الصوفية” إذا ما كان هذا التأصيل يستند إلى ما كان من أمر سيدنا موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر عليه السلام! فحتى لو كان سيدنا موسى عليه السلام قد أمضى عُمُره كله في اتباع سيدنا الخضر عليه السلام لم يكن ليتسنى له أن يفقه مما عُلِّم سيدنا الخضر عليه السلام شيئاً. وهذا هو ليس ما تقوم عليه “الصحبة الصوفية”؛ فهذه الصحبة تعود على المتصوف السالك بما يجعل منه يزداد علماً ما صدقت صحبته. فأين هذه الصحبة إذاً من اتِّباعٍ لم يعد على سيدنا موسى عليه السلام بشيء؟
