التأليف والتأليب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

AddText_10-15-11.11.04.JPEG

أهبطنا الله تعالى من جنته إلى هذه الأرض بعضَنا لبعضٍ عدو، وذلك من بعد أن تاب على أبينا آدم الذي سبق وأن عصى أمره فأكل من الشجرة التي كان قد نهاه عنها. وهذه “العداوة البينية” هي قدَر بني آدم الذي لا مفر لهم من الخضوع لما يُمليه عليهم من وجوب أن يعادي بعضُهم بعضاً عداءً لا يكفي للتعليل له أن يُصار إلى إيراد أسباب العداوة التي سطرتها أيدي العلماء والمفكرين فأرجعتها إلى التصارع على السلطة والموارد! فعلَّة العداوة البينية التي قُدِّر للإنسان أن يعاني جراءها الأمرَّين تعود إلى تلك الشجرة التي أكل منها أبوانا فتحتَّم على ذريتهما أن يعادي بعضُهم بعضاً جراء أكلهما منها (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).
ومما زادَ طينةَ بني آدم بِلَّة أن الإنسان قد ابتُلي بالشيطان الرجيم (لعنه الله) يؤجِّج أوارَ نار العداوة البينية هذه فلا يجعلها تخبو طالما كان هذا الإنسان يسمع لنزغه وهمزاته فيؤلِّبه على أخيه الإنسان (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (53 الإسراء)، (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) (من 100 يوسف).
إذاً فالإنسان مُبتلى بعداوةٍ بينِّية، بينه وبين أخيه الإنسان، ابتلاءَه بتأليب الشيطان الرجيم لعنه الله نزغاً وهمزات. وهذا أمرٌ يجعل من كل محاولةٍ تروم التوفيق بين بني آدم مصيرها الفشل الذريع ما لم يتعهدها الله تعالى بنعمته فيؤلِّف القلوب ويجعل من كانوا بالأمس أعداءً يصبحون اليوم أخواناً (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (من 103 آل عمران)، (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (63 الأنفال).
إذاً فليس هناك من سبيل لتُفلت الإنسانية من قدرها الذي حتَّم على أفرادها أن يكون بعضهم لبعض عدو إلا بأن تسير على طريق الله تعالى وتهتدي بهدي دينه الإلهي الحنيف فيكون لها أن تنجو من تأليب الشيطان الرجيم لعنه الله وتنعم بتأليف الله تعالى بين قلوب أفرادها هؤلاء الذين ليس أمامهم من خيار آخر غير انتهاج هذا الطريق وإلا فهو الشقاء في هذه الحياة الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة.

أضف تعليق