بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
عدنا إلى كوكب الأرض، الذي من ترابه خُلِقنا، أعداءً يعادي بعضُنا البعض وذلك من بعد ما جرَّه علينا أكلُ أبوينا من الشجرة التي كان اللهُ تعالى قد نهاهما عنها. وهذه العداوة البينية المتبادَلة بين بني آدم كلهم جميعاً هي قدَر الإنسانية الذي كُتِب عليها أن تعاني جراءه من الويلات والمصائب ما يتعذر تبيانه ويستعصي إحصاؤه على وجه الدقة والتحديد. فتاريخ الإنسان على هذا الكوكب سطرته الدماء التي سالت أنهاراً بسببٍ من هذه العداوة التي فرضها على بني آدم إصرارُ السواد الأعظم منهم على النأي بأنفسهم عن جادة الحق لما يتطلبه انتهاجها من حملٍ للنفس على ما تكره واضطرارها إلى ما يستدعيه الحق من وجوب مناكفة الباطل والإعراض عنه.
وهذه العداوة البينية المتبادَلة بين الإنسان وأخيه الإنسان قد علَّلت لها آيات كريمة جاءت في سياق حديث قرآن الله العظيم عما حدث من بعد أكل آدم وزوجه من الشجرة التي نُهيا عنها: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).
ويخطئ كل من يتوهم أن المقصود بهذه العداوة التي فصَّلتها هذه الآيات الكريمة هو ما بين الإنسان والشيطان الرجيم لعنه الله من عداء! فإذا كان الشيطان الرجيم عدواً للإنسان، وذلك كما بيَّنته آيات قرآنية كثيرة، فإن الإنسان لا يعادي الشيطان الرجيم لعنه الله كما كان من المفترض لو أن العداوة بينهما كانت متأصلة متبادَلة بحكم ما يقضي به حكم الله تعالى (بعضكم لبعضٍ عدو)، وذلك لو أن المقصود هو ليس بنو آدم! فالإنسان مأمورٌ بأن يتَّخذ الشيطان الرجيم (لعنه الله) عدواً، وهذا لا يعني أن الإنسان سيلتزم بتنفيذ هذا الأمر الإلهي الذي أثبت التاريخ الإنساني على هذه الأرض أن بني آدم لم يأتمروا به إلا قليلاً منهم! فلو كانت العداوة متبادَلة حقاً بين الإنسان والشيطان الرجيم لعنه الله، بحكم كون بعضهم لبعض عدو، فلماذا حرص القرآن الكريم على توجيه الإنسان بوجوب أن يتخذ الشيطان الرجيم لعنه الله عدواً (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (6 فاطر).
