علم القرآن وعلم الإنسان: أيهما يُعجز الآخر؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماًAddText_10-17-10.58.20.JPEG

أيهما أقدر على مقاربة الظاهرة الإنسانية تعليلاً لما تتناشز به كثيرٌ من مفرداتها عن مماثلاتها من مفردات الظاهرة الحيوانية، القرآن العظيم أم العلم المعاصر؟ لنأخذ العدوان البشري مثالاً على ما تتمايز به الظاهرة الإنسانية عن الظاهرة الحيوانية. فالعدوان عند الإنسان ليس له ما يماثله في عالم الحيوان طراً. فإذا كان بمقدور العلم المعاصر أن يعلل للعدوان الحيواني فيقاربه مقاربةً يتبيَّن من بعدها كونه ذا أصلٍ طبيعي، فإن لا أصل طبيعياً بإمكان هذا العلم أن يُرجع إليه العدوان البشري. فلا شيء من مفردات عالم الطبيعة بوسعنا أن نرجع إليه هذا الذي يميِّز الإنسان من عدوانٍ غير طبيعي، وذلك بالمقارنة بالعدوان الطبيعي الذي يتميز به الحيوان. وتخفق كل محاولة من جانب العلم المعاصر للتعليل للعدوان البشري وذلك بإرجاعه إلى أسبابٍ تنتمي إلى عالم الطبيعة أو عالم البشر. فلا شيء مما بين أيدينا بوسعه أن يعيننا على تبيُّن العلة التي جعلت الإنسان عدوانياً إلى هذا الحد المفرط، والذي لا تستدعيه الحاجةُ إلى “البقاء”، تصارعاً بين أفراد النوع الإنساني كما يوجبه القول بأن البشر يتصارعون فيما بينهم وفقاً لما يقضي به قانون “الصراع من أجل البقاء”!
وإذا كان العلم المعاصر عاجزاً عن أن يرفدنا بما يُعين على تبيُّن العلة التي جعلت من البشر أكثر الكائنات البايولوجية عدواناً، فإن القرآن العظيم قد كشف النقاب عن هذه العلة فأرجعها إلى ما حدث للإنسان في “عالمٍ غير أرضي”، وذلك إبان مكوث آدم وزوجه في “جنة في السماء” تسبَّب أكلهما من إحدى أشجارها في جعل ذريتهما معتلةً بعلَّةٍ جعلت منهم يعادي بعضُهم البعض. فالأكل من تلك “الشجرة الفضائية” هو ما تسبَّب في جعلنا يعادي بعضنا البعض، وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (35 -36 البقرة)، (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (19 -24 الأعراف)، (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (121 -من 123).
إذاً فالقرآن العظيم يُرجِع علَّة العدوان البشري إلى ما حدث للإنسان على كوكبٍ آخر غير كوكبنا الأرضي هذا. ولذلك فإن العلم الذي بين أيدينا لم يكن بمقدوره أن يعلِّل لهذا العدوان، وذلك طالما كانت هذه الأرض هي كل ما بوسعه أن يحيط به. فالعلم المعاصر يقف عاجزاً حيال معضلة العدوان البشري، وذلك بالمقارنة بالقرآن العظيم الذي يقدِّم لنا ما يُعيننا على تبيُّن هذا الذي جعل منا أكثر كائنات الأرض عدوانية. فأي العلمَين إذاً يُعجز الآخر، علمُ القرآن أم علمُ الإنسان؟!

أضف تعليق