بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
“الإنسان عدو بالفطرة للشيطان الرجيم لعنه الله” عبارة يضطر إلى الإقرار بها كل من توهم فظن أن المقصود بـ “بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ” هو “العداء الفطري المتأصل” بين بني آدم والشيطان الرجيم وقبيله! وهذا التفسير غير الموفَّق هو قراءة أخفقت في الوقوع على المعنى البيِّن الجلي لما جاءتنا به الآيات الكريمة التالية: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه). فمعنى “بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ” لا يحتاج كيما نقع عليه غير أن نتدبَّر هذه الآيات الكريمة في سياقها القرآني لنخلص من بعد إلى أن المقصود بهذه العداوة هم بنو آدم الذين سيتحتم عليهم أن يعانوا جراء هذه العداوة الفطرية المتأصلة بينهم ما سيتكفل بجعل معيشتهم على الأرض نزاعاتٍ ومشاحناتٍ ومعاركَ وحروباً ضروساً طاحنة تأتي على الأخضر واليابس وتسيل جراءها الدماء بحوراً وأنهاراً ولا يكفي للتعليل لها أن يُسبَّب لها بالتصارع على السلطة والموارد والمذهب والدين، كما يظن ويتوهم مَن فاته أن العلة تضرب بجذورها أعمق بكثير جداً مما يضرب ما تقدم من أسبابٍ لا تكفي لتبيان ما الذي جعل الإنسان يعادي أخاه الإنسان على مر الزمان.
فلو كان الإنسان حقاً عدو الشيطان بالفطرة، أما كانت الأرض لتصبح جنةً كلها وئام وسلام؟! ولو كان الإنسان مقدَّراً عليه أن يعادي الشيطان الرجيم، كما يعاديه الشيطان الرجيم وقبيله، فلمَ كل هذه الحروب والشحناء والبغضاء والعداوات الكامنة والمتجلية؟! ولو كان الإنسان عدو الشيطان الرجيم لعنه الله كما يظن القائلون بأن معنى “بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ” هو غير ما أذهب إليه من أن هذه العداوة مقصود بها ما هو قائم بين بني آدم من عداء ظاهر وباطن، فلمَ كان أكثر الناس لا يؤمنون ولا يفقهون ولا يعقلون ولا يشكرون، …. ؟ وإذا كان الإنسان حقاً عدو الشيطان الرجيم بالفطرة، فلماذا أمرنا اللهُ تعالى بألا نتَّبع خطوات الشيطان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (208 البقرة)؟ وإذا كان الإنسان قدَره أن يعادي الشيطان الرجيم لعنه الله فلماذا جعل اللهُ الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون) (من 27 الأعراف)؟ وإذا كان الإنسان لا يملك إلا أن يعادي الشيطان، كما يقضي بذلك التأويل غير الصائب لـ “بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ”، فلماذا قال الشيطان الرجيم: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (16 -17 الأعراف)؟ وإذا كان ما بين الإنسان والشيطان عداءٌ متبادل، فلماذا كان هناك حزبٌ للشيطان عرَّفتنا به الآية الكريمة (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (19 المجادلة)؟ وإذا كان الإنسان حقاً عدو الشيطان الرجيم لعنه الله، فلماذا نقرأ في القرآن العظيم: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (16 الحشر)، (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (25 محمد)، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) (من 155 آل عمران).
إذاً فالمخاطَب بـ “بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ” هم بنو آدم الذين سيتعيَّن عليهم أن يذوقوا ما تُمليه وتفرضه عليهم هذه العداوة إن هم لم يتَّبعوا هدى الله فيكون لهم بالتالي أن ينعموا بحياةٍ طيبة وبقلوبٍ ألَّف اللهُ تعالى بينها فلا عدوان ولا شحناء ولا بغضاء ولا حروب، بل أخوة صافية خالصة على طريق الله تعالى.
