بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن كثير منا أن التمكين ليس بفتنة، وأن الله إذ يمكِّن للعبد فإن هذا التمكين هو علامةٌ على رضاه تعالى عنه، وبما يعني ألا موجب هناك لكي يخشى هذا العبد أن يُحرمَه! فالتمكين ابتلاء واختبار قبل أن يكون جائزةً يؤتاها العبدُ خاتمةَ المطاف، كما يظن ويتوهم كثيرٌ منا! والله تعالى لا ينبغي أن يؤتمَن جانبُه فيأمن العبدُ مكرَه (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)ش (99 الأعراف).
ثم أن اللهَ تعالى أخبرنا في قرآنه العظيم أنه مكَّن لمن لم يكن من المؤمنين: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) (6 الأنعام)، (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيم. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ. وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (من 24 -26 الأحقاف).
ولقد حذَّر سيدُنا موسى عليه السلام قومَه من أن اللهَ تعالى، إذ سيستخلفهم في الأرض ويمكِّن لهم من بعد أن يُهلِك عدوَّهم، فإنه سينظر كيف سيعملون (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون) (128 -129 الأعراف).
ولقد جاءتنا سورة النور بوعد الله تعالى للذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن يستخلفهم في الأرض ويمكِّن لهم فيها ومحذِّرةً في الوقت عينه من أن هذا الاستخلاف والتمكين ليس بعاصمٍ من الكفر، والذي سيجعل ممن كفر من بعد أن أنجز اللهُ له وعدَه فاستخلفه في الأرض ومكَّن له فيها من الفاسقين والعياذ بالله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (55 النور).
إذاً فالاستخلاف والتمكين ليسا خاتمةَ المطاف طالما كانا مفردتَين من مفردات الابتلاء والاختبار والتمحيص. فاللهُ تعالى يختبر عبدَه المؤمن بالاستخلاف والتمكين كما ابتلاه من قبلهما بالتضييق والتعسير. ويخطئ كلُّ من يظن أن المطلب الأسمى الذي ينبغي على العبد أن يلح على الله تعالى في طلبه هو الاستخلاف والتمكين، وذلك لأنهما لن يحولا دون أن تتسلل سموم النفس فتلوِّث الإيمان والعمل الصالح وتجعل ممن أمِن مكر الله يكفر فيصبح من الفاسقين والعياذ بالله.
إذاً فلنحرص على ألا نأمن مكرَ الله حتى وإن أنجز لنا الله وعده فاستخلفنا في الأرض ومكَّن لنا فيها وذلك بأن نلزم التقوى فلا نفارقها ما استطعنا، فهي العاصم من الزلل، وهي القاصم لكل خلل
