بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
صحَّ عن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: “من عرفَ نفسَه فقد عرفَ ربَّه”. فكيف تكون معرفة النفس سبيلاً لمعرفة الله تعالى؟ يعلِّمنا القرآن العظيم أن النفسَ أمارةٌ بالسوء إلا ما رحم الله (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (من 53 يوسف). ونقرأ في سورة المائدة (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ). فالنفس فاجرةٌ ما لم يوفَّق الإنسانُ إلى إحكام سيطرته عليها، وذلك من بعد نجاحه في الإفلات من تسلُّطها عليه. والنفسُ، إذ يُقيَّض للإنسان أن يتحرر منها فيطوِّعها بتقوى الله لتصبح تقيةً مطيعةً له تعالى، هي نفسٌ ألهمها ربُّها تقواها فأصبحت نفساً مبرَّءةً من كل ما يشين النفس من علل وأسقام توارثتها نفوسُ بني آدم جراء ما جرَّه عليهم أكلُ أبويهم من الشجرة التي نُهيا عنها.
فالإنسان سيعرف ربَّه بمعرفته نفسه على ما هي عليه حقاً وحقيقة كياناً عليلاً سقيماً ملتاثاً بلوثةٍ تخفق كلُّ مقاربةٍ للتعرُّف عليها بالرجوع إلى ما بين أيدينا من علمٍ وضعي. فالنفس، إذ هي كيانٌ لا ينتمي إلى هذا الواقع الأرضي بحكم انتمائها إلى العلة التي تسببت في ابتلاء الإنسان بها لحظةَ أن أكل أبويه من تلك “الشجرة الفضائية”، فإنها تشير إلى وجوب الإقرار بما جاءنا به من الله تعالى دينُه الإلهي الذي ما كنا لنعلم لولاه أننا قد ابتُلينا بهذه النفس. وبذلك تتكفل معرفة الإنسان بنفسه بتقديم البرهان القاطع بأن هناك حقيقةً يعجز واقعنا الأرضي عن التسبيب لها، وأن هذه الحقيقة تجزم بوجوب الإقرار بما جاءنا به دينُ الله تعالى من أن لا تفسير هناك لهذا الذي هو عليه الإنسان من ابتلاءٍ بنفسٍ على هذا القدر من السوء إلا بما اشتمل عليه هذا الدين من ذكرٍ لما جرى لآدم وزوجه في جنة الله تعالى، وذلك قبل أن يُعادا إلى هذه الأرض التي خُلقا منها.
وهكذا يتبيَّن لنا أن معرفة الإنسان بنفسه، نشأةً وتخلُّقاً، ستجعله مستيقناً من أن له رباً هو الله تعالى الذي أنبأه في قرآنه العظيم بما حدث فجعل منه ذا نفسٍ لا تعليلَ وضعياً بمقدوره أن يعلل لنشأتها وتخلُّقها هذين. فيكفي الإنسانَ أن يتدبَّر سورة التين حتى يتبين له ألا أحد هناك بمقدوره أن يكذِّب دينَ الله تعالى الذي أبانَ عن أصل نفسه وظروف نشأتها وتخلُّقها (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1)وَطُورِ سِينِينَ(2)وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ(3)لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(6)فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(7)أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين).
