بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
“العارف بالله” مصطلح صوفي يتردد كثيراً في كتابات وأقوال المتصوفة. ولقد ذهب البعض من أدعياء التصوف، والجُهال بما ينطوي عليه التصوف من أصول علمٍ رصين، إلى تفسير هذا المصطلح فضلُّوا السبيل، وذلك بقولهم إن “العارف بالله” هو الذي يعرف الله تعالى على ما هو عليه حقاً وحقيقة! وهذا افتراءٌ على التصوف، إذ لم يقل أي أستاذ من أساتذته بهذا. فاللهُ تعالى عند المتصوفة لا يمكن على الإطلاق أن يُعرَف على ما هو عليه حقاً وحقيقة؛ فهو عندهم اللغز الأعظم الذي ليس بالإمكان معرفته إذ لا قدرةَ لمخلوقٍ على الإطلاق أن يعرف الله على ما هو عليه حقاً وحقيقة. فالله تعالى هو المجهول الأعظم، وكل من يزعم أنه يعرف الله تعالى على ما هو عليه حقاً وحقيقة فهو ضال ومُضِل.
أما ما كان يقصد إليه أساتذة التصوف بهذا المصطلح الجليل، فهو لا أكثر مما جاءنا به حديث حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: “إتَّقوا فراسةَ المؤمن فإنه ينظرُ بنور الله”. فإذا كانت العين لا تُبصر ما حولها من أشياء إلا بوساطةٍ من الضوء المنعكس عن هذه الأشياء، فإن المؤمن إذ ينظر إلى هذه الأشياء فإنه يراها بنور الله تعالى منعكساً عنها بحقائق لا سبيل للوقوع عليها إلا بهذا النور الإلهي اللطيف.
وبذلك يكون “العارف بالله” هو الذي يعرف الأشياء لا بوساطةٍ من العقل، الذي لا قدرةَ له على معرفة الأشياء على ما هي عليه حقاً وحقيقة وذلك طالما لم يُخلَق هذا العقل ليعرف إلا ما قُدِّر له أن يحيطَ به من علاقات هذه الأشياء بعضها ببعض وتفاعلاتها، ولكن “بالله” الذي هو رب كل شيء. ولذلك فلا سبيل هناك البتة للمقارنة بين علمٍ قائمٍ على أساسٍ من معرفة الأشياء بالعقل، وآخر يعرفها بالله تعالى.
إذاً فالعارف بالله هو الذي ينظر إلى الأشياء فيراها بنور الله ويعرفها بالله، وهو لذلك يحيط بحقائقها إحاطةً تعز على مَن ينظر إليها بغير نور الله ويعرفها بعقله لا بالله.
