“أعرف عدوَّك”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
AddText_10-23-09.42.49.JPEG

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ابتُلي الإنسان بعداوةٍ بينية متبادَلة بينه وبين أخيه الإنسان، وذلك منذ تحتَّم عليه أن يغادر الجنة ويعود ثانية إلى الأرض التي خُلق منها. وهذه العداوة المتأصلة في جينات بني آدم لا أسبابَ تعلل لها بالرجوع إلى ما بين أيدينا من علمٍ بهذه الدنيا وأهلها؛ فهي عداوةٌ علَّتها موصولةٌ بتلك الشجرة التي أُسكِن آدم وحواء جنةً في الفضاء قال لهما الله تعالى إن بوسعهما أن يأكلا من شجرها كله إلا إياها. وهذه العداوة البينية المتأصلة قدرٌ محتوم لا قدرةَ لبني آدم على الإفلات منه وذلك طالما كانت واحدةً من أعظم مفردات الابتلاء الإلهي الذي لا مناصَ للإنسان من التعرَّض له. ولنا في آياتٍ كريمةٍ من القرآن العظيم ما يجعل الواحدَ منا واثقاً كلَّ الثقة من أن هذه العداوة المتبادَلة بين بني آدم هي قدرٌ إلهي لا فكاك منه إلا بما جاءنا به دين الله تعالى من نبأ التأليف الإلهي والتآخي على طريق الله تعالى. فعداوة الإنسان لأخيه الإنسان تبيِّنها جليةً الآيات الكريمة التالية: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).

وهذه العداوةُ القدر، إذ هي ابتلاءٌ من الله تعالى، فإنها تذكِّر بابتلاءٍ رباني آخر حتَّم علينا معشر البشر أن يكون بعضُنا لبعضٍ فتنة، وذلك حتى يتجلى الصابرُ منا عن بيِّنة (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) (من 20 الفرقان). إذاً فنحن قد ابتُلينا بهذه العداوة المتأصلة في جيناتنا، والتي جعلت بعضَنا لبعضٍ عدو، ونحن مُبتَلون أيضاً بابتلاءٍ رباني آخر أصبح بموجبه بعضُنا لبعضٍ فتنة.

وإذا كانت هذه العداوة المتبادَلة بين بني آدم قدراً لا مفر لهم من الابتلاء به، فإنها في الوقت عينه حجابٌ يحول دون أن يكون بمقدورهم أن يتبيَّنوا “العدو الحقيقي” الذي لن يتمكنوا من تبيُّنه إلا بإفلاتهم وانعتاقهم من قدَر العداوة البينية بعضهم لبعض، فيكون لهم بالتالي أن يتبيَّنوه عدواً مبيناً أشغلهم عن تبيَّنه بهذه العداوة المتبادلة بينهم. وهذا العدو المبين هو النفس التي عقد معها الشيطان الرجيم لعنه الله تحالفاً تعاهدا بموجبه على إضلال الإنسان بجعله ينشغل عن تبيُّنهما عدواً مبيناً بعداوةٍ بينه وبين أخيه الإنسان فرضتها عليهما أكلة أبويهما من تلك الشجرة.

إذاً فما الذي يتوجب علينا القيام به ليتسنى لنا أن نتبيَّن فنعرف عدونا الحقيقي؟ إن أول خطوة في هذا الاتجاه هي تمزيقنا لهذا الحجاب الذي يحول بيننا وبين تبيُّن عدونا الحقيقي، وذلك بأن نعمل جاهدين على الإفلات والانعتاق من قدَر العداوة البينية المفروض علينا معشر البشر، والذي يحتِّم علينا أن يعادي بعضنا بعضاً، وذلك بأن نسير على طريق الله تعالى منضبطين بضوابط هذا الطريق ومحدداته وفقاً لما جاءنا به الدين الإلهي من منهاجٍ رباني الخيرُ كل الخير باتِّباع هَديه وإلا فهو الشقاء في هذه الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة.

أضف تعليق