“العارف بنفسه حق العرفان”!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

انتهيتُ في المنشور السابق إلى أن فرض منطق العقل البشري على الدين يُفضي بنا إلى الوقوع على أباطيل نتوهمها حقائق! وفي هذا المنشور سوف أقدِّم مثالاً على هذه المقاربة غير الموفَّقة لدين الله تعالى. فلقد خُيِّل لبعضٍ من أدعياء التصوف والجُهَّال بما يقوم عليه التصوف من علمٍ رصين، أن بإمكانهم أن يقاربوا الحديث الشريف “من عرف نفسه فقد عرف ربَّه” مقاربةً تُجيز لهم القول بأن العارف بنفسه هو العارف بالله! وهذا استنتاج، وإن كان منطقياً وفقاً لما تقضي به قواعد منطق العقل البشري، إلا أنه ليس كذلك وفقاً للمنطق الإلهي الذي يقوم عليه دين الله تعالى. فمعرفة الله تعالى على ما هو عليه حقاً وحقيقة لا يمكن لمعرفة النفس على الإطلاق أن تُفضي إليها. فكيف لمعرفتنا بالمخلوق أن تجعلنا نعرف الخالق على ما هو عليه حقاً وحقيقة؟! ثم أن الواحد منا لا يحتاج كيما يعرف نفسه حق العرفان إلى غير ما جاءنا به قرآن الله العظيم بقولٍ فصل أوجزته لنا الآية الكريمة (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (من 53 يوسف). فالتبحُّر في النفس بغية الإحاطة بما هي عليه حقاً وحقيقة لا يحتاج منا إلا إلى تدبُّر هذه الآية الكريمة لنخلص بعدها إلى ما يكفينا ويُغنينا. ثم أن مصطلح “العارف بنفسه حق العرفان” يتناقض بالتمام والكلية مع ما يقوم عليه التصوف من سعي دؤوب لإقصاء النفس وإبعادها عن كل ما إن كان لها حظ من التأثير فيه أحالته كينونةً ملتاثة بلوثاتها التي أجملها القرآن العظيم في الآية الكريمة 53 يوسف. فكيف تكون النفس وسيلتنا لمعرفة الله، ناهيك عن معرفة الأشياء؟! فـ “العارف بنفسه” هو من يعرف الأشياء بنفسه! والذي يعرف الأشياء بنفسه لن يعرفها إلا بدلالةٍ من هذه النفس الأمارة بالسوء إلا ما رحم الله! وأين معرفة الأشياء بالنفس من معرفة الأشياء بالله؟! فالمؤمن ينظر إلى الأشياء فيراها بنور الله ويعرفها بالله، وذلك على خلاف غير المؤمن الذي ينظر إلى الأشياء فيراها ويعرفها بنفسه لا بالله.

أضف تعليق