بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
انتهيتُ في منشوراتٍ سابقة إلى أن عقل الإنسان ليس بمقدوره أن يعرف الله تعالى. فإذا كان عقل الإنسان بمقدوره أن يهتدي إلى ما قدِّر له أن يقع عليه من قوانين الطبيعة، كيميائيةً كانت أم فيزيائيةً أم بايولوجية، فإن هذا لا يعني على الإطلاق أن هذا العقل بوسعه أن يهتدي إلى أن من وراء هذه القوانين كلها جميعاً إلهٌ واحدٌ أحدٌ هو الله تعالى!
ولقد حمل عليَّ كثيرٌ ممن قرأوا قرآن الله العظيم دونما تدبُّر، ظناً منهم وتوهماً أنهم بذلك إنما يدافعون عن حومة الدين الإلهي بهذا الانتصار منهم للعقل الإنساني الذي توهَّموا أن القول بأنه عاجزٌ عن أن يعرف الله تعالى يتعارض مع ما جاءتنا به آياتٌ كريمةٌ من هذا القرآن تحض على النظر في آيات الله تعالى بهذا العقل! فما هي حقيقة الأمر؟ وهل في القول بعجز العقل البشري عن معرفة الله تعالى ما يتعارض حقاً مع ما يقول به القرآن العظيم؟
بدايةً لابد لنا من أن نتفق على أن الله تعالى هو من تعرَّف إلى الإنسان، وذلك عندما علَّم آدم الأسماءَ كلها. فآدم لم يعرف اللهَ بعقله البشري، ولكنه تعالى هو مَن عرَّفه بنفسه وتعرَّف إليه فكان أن أصبح بمقدور آدم أن يعرف أن له رباً هو الله الذي خلقه فسوَّاه فعدله. وأما كلُّ ما جاء في قرآن الله العظيم من آياتٍ كريمة أشارت إلى العقل في معرض حديثها عن الذين “يعقلون” و”يتفكرون” و”يفقهون”، فإن ذلك لم يكن على الإطلاق ذا صلةٍ بما يُظَن ويُتوهَّم من أن الأمرَ ذو علاقةٍ بقدرة عقل الإنسان على أن يعرف أن له رباً هو الله تعالى، وأن هذه المعرفة ليست بعيدةً عن متناول هذا العقل الذي بوسعه أن يتفكَّر في خلق السموات والأرض فيجد نفسه مضطراً إلى وجوب الإقرار بأن هناك خالقاً هو الله تعالى هو من خلق الخلق وهو من يستحق بالتالي أن يُعبد!
فالقرآن العظيم لا يخاطب العقل الملحد الذي لا يؤمن بالله، ولكنه يخاطب عقلَ من آمن بالله وهو مشرك. فالقوم المخاطَبون بهذا القرآن كانوا على جهالةٍ بأن الله تعالى إلهٌ واحدٌ لا شريك له. وكل آيةٍ من آيات القرآن العظيم حضَّت وحثَّت وحرَّضت على إعمال العقل والتفكُّر بالتالي في ملكوت السموات والأرض، إنما كانت تتوجّه بخطابها إلى مَن أشركَ بالله تعالى، وذلك كيما يدرك أن هذا الإعمال منه للعقل مُفضٍ به لا محالة إلى وجوب الإقرار بأن ما جاء به هذا القرآن هو الحق المبين، وأن الله تعالى هو إلهٌ واحدٌ لا إلهَ غيره.
وهكذا فإن رسل الله وأنبياءه لم يخاطبوا أقوامهم بدين الله تعالى إلا ليُحرِّروا عقولهم من الشِرك الذي قدَّم لنا تاريخُ الإنسان على هذا الكوكب كلَّ ما نحن بحاجةٍ إليه من أدلة وبراهين على أنه مُغرمٌ بالإشراك بالله تعالى، وأنه لذلك يحتاج إلى مَن يذكِّره على الدوام بأن إشراكه بالله تعالى هو مما يتناقض مع القول بأن الله تعالى موجود.
