بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
مرَّ الإنسان بمراحل تطورية عدة. وهذه حقيقةٌ ما كنا لنحيط بها علماً لولا أن الله تعالى فصَّل تخلُّق الإنسان في قرآنه العظيم. فالعلم المعاصر يقصر نظرته إلى نشوء وارتقاء الإنسان على جانبٍ بعينه ذي صلةٍ بتطوره البايولوجي فحسب وذلك لعجزه عن الإحاطة بما يتجاوز مديات وحدود منظومته المعرفية القائمة على أساسٍ من محدِّدات المكان والزمان. فالإنسان الأول لم يقضِ أيامَه كلَّها على هذه الأرض، وذلك كما أخبرنا الله تعالى في قرآنه العظيم: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (35 البقرة)، (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين) (19 الأعراف)، (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (117 طه). والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا أسكنَ اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه الجنة؟
يتكفل بالإجابة على هذا السؤال تدبُّرُ العلةَ التي بموجبها أُخرجَ آدم وزوجُه من الجنة. فإذا كان اللهُ تعالى أخبرنا في قرآنه العظيم أنه قد أخرج إبليس لعنه الله من الجنة لأنه لم يكن له أن يتكبر فيها (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (13 الأعراف)، فلماذا أُخرج آدم وزوجُه من الجنة من بعد أن تاب اللهُ عليهما؟ (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (37 -39 البقرة)، (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 121 -من 123 طه). إذاً فآدم لم يُخرَج من الجنة لأنه لم يكن له أن يتكبر فيها، فلماذا أُخرج منها إذاً؟
إذاً فإخراج آدم من الجنة لابد وأن يكون ذا صلة بذريته التي سيتعيَّن عليها أن تعاني جراء ما أصابها من تضرُّر جراء أكل آدم وزوجه من الشجرة المحرمة، وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).
فذرية آدم وحواء لم يكن لهم أن يبقوا في الجنة ويعيشوا فيها بعضهم لبعضٍ عدو، فكان لزاماً عليهم لذلك أن يُخرَجوا منها ويعودوا إلى الأرض.
إذاً فالعلة من وراء إسكان آدم وزوجه الجنة ليست غير ذات صلة بِعلَّة إخراجهما منها. فآدم وزوجه أُسكنا الجنة في الوقت الذي كانت الملائكة الكرام عليهم السلام تعمل على إبادة قومهما الذين كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وأُخرج آدم وزوجه من الجنة وأُعيدا إلى الأرض التي ستكون مسرحاً تتجلى فيه العداوة البينية بين أفراد ذريتهما إفساداً في الأرض وسفكاً للدماء.
