بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لم يرد في القرآن العظيم أيُّ ذكرٍ يُستدَل به على أن الجن هم مَن كانوا يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وذلك كما تُصر عليه المقاربة التقليدية للآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فأصحاب هذه المقاربة يأبون إلا أن يستبعدوا كلَّ ما يظنون أنه يُخِل بتصوُّرهم لكيفية تخلُّق الإنسان. ولذلك كان التجاؤهم إلى الجن منطقياً مادام ذلك يؤمِّن لهم تفسيراً يحول دون الإقرار بأن سيدنا آدم عليه السلام كان سليل قومٍ هم من كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء!
ولا أدري كيف فات هؤلاء ما يستدعيه القولُ بأن الجن هم من كانوا يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء من وجوب الإقرار بأن الجن لم يُخلقوا من نارٍ كما هو ثابتٌ لدينا بنَص القرآن العظيم (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (27 الحجر)! فمادامت الجن مخلوقاتٍ عاقلةً غير بايولوجية، فلا يمكن أن يُتوقَّع منها أن يسفك بعضها دم بعض كما نفعلُ نحن معشر البشر! لذلك فلا مناص هناك لنا من وجوب إقصاء هذه المقاربة التي سيجعلنا الإصرار على لزومها ننأى ونبتعد عن المعنى الذي انطوت عليه آية استخلاف آدم في الأرض.
كما أنني لست أدري كيف فاتت المُصرِّين على هذه المقاربة حقيقةُ أن الاستخلاف يعني لغةً إهلاك وإبادة عدو المستخلَف! فهل خلت الأرضُ يوماً من الجن حتى نقول إن آدم أصبح خليفةً في الأرض من بعد هلاكهم؟! إن حقيقة كون الجن لايزالون يشاطرون الإنس سكنى هذه الأرض تدحض كل مزعم يذهب إلى القول بأن الجن هم مَن تمت إبادتهم وذلك ليُستخلَف آدم من بعدهم!
وبذلك يتبيَّن لنا ألا سبيل هناك أمامنا غير أن نقر بأن من تم إهلاكهم وإبادتهم لم يكونوا من الجن بل كانوا مخلوقاتٍ بايولوجية من دمٍ ولحم تفسد في الأرض ويسفك بعضُها دمَ بعض.
