متى رُدَّ الإنسانُ أسفلَ سافلين؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لو أننا لم نعتمد غير رواية العلم المعاصر للكيفية التي تطور بموجبها الإنسان، لما تسنى لنا أن نعرف إلا ما قُدِّر لهذا العلم أن يحيط به مما حدث في ماضينا السحيق فجعل منا بشراً ننتشر في الأرض، ولما كان لنا أن نعرف أن الإنسان خُلق في أحسن تقويم. فالعلم البشري محدودٌ بمحدِّداتٍ لا قدرةَ له على تجاوزها. وهذه المحدِّدات المعرفية المفروضة على العلم البشري تجعل منه عاجزاً عن أن يكون بمقدوره الوقوع على وقائع وأحداث لا تنتمي إلى هذا الواقع الذي هو كل ما قدِّر له أن تطاله أدواته المعرفية بحثاً واستقصاءً واستنتاجاً. وحده قرآن الله العظيم بوسعه أن يرفدنا من أنباء الغيب التي غُيِّبت عنا ولم نكن لنعلم منها شيئاً لولا فضل الله تعالى علينا الذي علَّمنا بهذا القرآن ما لم نكن نعلم (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (4 -5 العلق)، (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون) (151 البقرة)، (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (من 239 البقرة).

فالقرآن العظيم هو الذي علَّمنا أن الإنسان قد خُلق في أحسن تقويم، وذلك لحظةَ نفخ الله تعالى فيه من روحه؛ هذه النفخة الإلهية التي صيَّرته خَلقاً آخر غير كل المخلوقات البايولوجية التي سبقته. إلا أن هذا “التميُّز الخَلقي” لم يكن له أن يدوم، إذ سرعان ما رُدَّ الإنسانُ أسفلَ سافلين، وذلك بأكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهيا عنها، فكان أن أصبحت ذريتهما أمام مفترق طرق مصيري، فإما اتِّباع هَدي الله تعالى والنجاة بوساطةٍ منه إلى بر الأمان دنيا وآخرة، وإما إعراضٌ عنه يجعل مَن أعرض شقياً دنيا وآخرة.

إذاً فأكل أبوينا من الشجرة التي نُهيا عنها هو الذي جعلنا نُرَد أسفلَ سافلين من بعدِ خِلقةٍ مميزةٍ هي خلقة أحسن تقويم، حيث لا مفر أمامنا غير أن نكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحين حتى نُرَدَّ ثانيةً إلى هذه الخِلقة التي يكفينا أن نتبيَّن ما هي عليه من تميُّزٍ بتذكُّرنا أن الإنسان ما حازها إلا بالنفخة الإلهية “كن فيكون”. وهذا يجعلنا نقع على العلة التي تجعل من العودة إلى مقام أحسن تقويم على هذا القدر من الصعوبة. فحتى يكون لك أن تُردَّ إلى أحسن تقويم، لابد وأن تكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا أمرٌ ليس باليسير، إذ يكفيك أن تعلم أن هذا الذي تريد أن تُردَّ إليه ثانيةً قد تسنى لآدم أن يحصل عليه بنفخةِ “كن فيكون”.

أضف تعليق