بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ما كنت لأكتب هذا المنشور لولا أنني أرى ألا موجب هناك لإصرار البعض على المغالاة في التمسك بما جاءنا عن الأولين من مقاربةٍ للآية الكريمة 5 السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون)، تُستبعد بموجبها احتمالية أن يكون المقصود بمن يدبر الأمر هو سيدنا جبريل عليه السلام!
صحيحٌ أن هذه الآية الكريمة لم تنص صراحةً على إسم سيدنا جبريل عليه السلام، إلا أن هناك ما يؤكد أنه هو المقصود بتدبير الأمر هذا. فلقد حفل القرآن العظيم بالعديد من الآيات الكريمة التي تتظاهر كلها جميعاً على التصريح بأن سيدنا جبريل عليه السلام هو من فوَّضه الله تعالى بحمل أمانة القرآن العظيم وإيصالها إلى سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وهذا ما بوسعنا تبيُّنه بتدبِّرنا الآيات الكريمة التالية: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (97 البقرة)، (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (193 -194 الشعراء)، (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين) (102 النحل).
وقد يعترض البعض فيقول وما علاقة “الأمر” ب “القرآن”؟ وهنا أذكِّر هؤلاء بما جاءتنا به سورة الطلاق في آيتها الأخيرة (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). فهذه الآية الكريمة تنص صراحةً على أن “الأمر” هنا هو “القرآن”.
ثم أن العروج الوارد ذكره في آية “يدبر الأمر” يذكِّر بما أنبأنا به القرآن العظيم من نبأ عروج الملائكة والروح إلى الله تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (4 المعارج). وإذا كان المقصود بـ “الأمر” في الآية الكريمة 5 السجدة هو “القرآن”، فما معنى أن يعرج “القرآن” إلى الله من بعد تمام تدبيره من السماء إلى الأرض وصولاً إلى قلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟!
وأختم بالتذكير بما ينبغي ألا يغيب عن بالنا ونحن نتدبَّر آي القرآن العظيم من أن المدة التي حددتها الآية الكريمة 5 السجدة بألف سنة مما نعد هي أمرٌ ذو صلةٍ بالملائكة الكرام عليهم السلام الذين أخبرنا هذا القرآن بأن منهم من هو عند الله تعالى، أي على مقربةٍ من عرشه العظيم، وذلك كما يبيِّنه لنا تدبُّر الآية الكريمة (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون) (47 الحج). وعبارة “عند ربك” تعني المكان الأقرب من عالم الكرسي إلى عالم العرش وذلك كما تبيِّنه لنا الآيات الكريمة التالية: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون) (206 الأعراف)، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (38 فصلت).
