بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ليست كلُّ السموم سواءً؛ فأشدُّ السموم فتكاً ألطفُها، وما ذلك إلا لأنها تتطلف فلا تُشعر بها أحداً. وهكذا كانت سموم المعاصي من أفتك السموم وأخطرها إذ ليس هناك بين أيدينا حتى هذه اللحظة ما يُمكِّننا من تبيُّنها على ما هي عليه وإلا لما كنا نستزيد من المعاصي دون أي إدراكٍ لما تشتمل عليه من سم زُعاف فيه هلاكنا دنيا وآخرة! فالمعاصي عندنا هي لا أكثر من ذنوب بإمكاننا دوماً أن نمحوها متى شئنا، وذلك بأن نعمل ما نظنه من الصالحات التي إن نحن أتبعناها السيئةَ مَحتها! وهذا ظن لا ينبغي أن نركن إليه، وذلك طالما كان أمر محو السيئات ليس بأيدينا بل هو بيد من عصيناه، فإن شاء تاب علينا فمحا سيئاتنا، وإن شاء أثبتها فحُسبت علينا.
وهكذا كان للمعصية سمٌّ مهلكٌ مذ عصا آدمُ ربَّه فغوى. فسم معصية آدم سرى في عروقه فكان أن تضرَّر بدنُه تضرراً تجلى لناظريه بهذا الذي أصبح عليه عرياً ظن أن بوسعه أن يغطيه بما استطاعت أن تصل إليه يداه من ورق الجنة. وسم معصية آدم تسلل إلى جيناته فتضررت جراءه ذريته تضرراً تجلى بهذه العداوة التي تحتَّم على هذه الذرية أن تحيا بموجبها على هذه الأرض وذلك كما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).
كما أن سم معصية آدم، إذ جعل منه يعرى مصداق قوله تعالى: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) (117 -118 طه)، إذ تسرَّب إلى جيناته فإنه جعل منا معشر البشر نعرى كلنا جميعاً وذلك في تناشز بيِّن مع باقي خلْق الله من حيوان هذه الأرض.
وبعد هذا وذاك تجد من ينبري لك معترضاً على ما أزعم من تضرُّرٍ جرَّه علينا أكلُ أبوينا من الشجرة التي نُهيا عنها! فلو صحَّ ما يقوله هؤلاء من نفيٍ لما أزعم به، فلمَ تحتَّم علينا إذاً، معشر البشر، أن نرث عريَ أبوينا تضرُّراً من سم معصيتهما، ولا نرث ما حتَّم علينا أن يكون بعضنا لبعض عدو؟!
على أي حال، لنتدبّر ما قاله بهذا الخصوص الشيخ عبد القادر الكيلاني: “قد أذنبتم كما أذنب أبوكم آدم فتوبوا كما تاب. لمّا أكل هو وزوجه من الشجرة التي نهاهما ربُّهما عن الأكل منها عاقبهما بالبعد وأعراهما من خِلَع كرامته؛ تركهما عريانَين، وأخذا من ورق الجنة ثم يبست الأوراق وتساقطت عنهما وبقيا عريانين ثم هبطا الى الأرض. جرى كل ذلك بسبب المعصية والمخالفة. سُم المعصية دبَّ في جسميهما فأبعدَهُما ثم لقّنهما اللهُ عزَّ وجل التوبةَ والإستغفار فتابا واستغفرا فتاب عليهما وغفر لهما”.
فإذا كان لكل سمٍّ ترياقٌ يُبطِل مفعولَه ويبدِّد آثاره فلا يعود بوسعه أن يؤذي ويضر، فإن ترياق سُم المعصية هو التوبة التي إن صدقت كان بها الشفاء وتحققت النجاة. فلنتُب إلى الله الذي بشَّرنا في قرآنه العظيم بقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين) (114 هود).
