بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ما الذي حدث في تاريخنا التطوري فجعل هناك فيه “حلقة مفقودة” أعجزت علماء البايولوجيا التطورية بحثاً عنها فلم تمكِّنهم من أن يضعوا أيديهم عليها كما فعلوا مع باقي مفردات سلسلة تطور الإنسان؟ يجيبنا على هذا السؤال من لم نكن لنعلم لولاه بأن التطور الإنساني انتهى بسيدنا آدم عليه السلام، وذلك من بعد “رحلة تخلُّق” امتدت ملايين من السنين بدءاً من الطين ومروراً بآجالٍ لا يعلمها على ما هي عليه حقاً وحقيقة غيرُ الله. فالقرآن العظيم فيه إجاباتٌ على كل سؤال استعصى على العلم البشري، ولا يحتاج الأمر منك حتى تقع على هذه الإجابات غير أن تتدبَّر آياته الكريمة بعقلٍ متحرر من كل ما يُقيِّد التفكير بقيودٍ كبَّلتنا قروناً وقعدت بنا عن فعل ما يتطلبه الأمر حتى يتأتى لنا أن نقع على عجائب هذا القرآن.
فيكفينا أن نتدبَّر آيةً واحدةً من قرآن الله العظيم حتى يتبيَّن لنا ما اشتملت عليه من غامض علمٍ يحتاج منا إلى أن نُعمِل فيه عقولنا علَّنا أن نهتدي إلى ما انطوت عليه من خفايا وخبايا وأسرار، وهي: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (2 الأنعام). فالله تعالى يُخبرنا في هذه الآية الكريمة بأن مبتدأ رحلة تطور الإنسان كان من الطين، ثم انقضى أجلٌ لا يعلم إلا الله أمده على وجه التحديد، حتى انتهت هذه الرحلة التطورية إلى سيدنا آدم خليفةً في الأرض. وتتحدث الآية الكريمة أيضاً عن أجل آخر اضطُر الإنسانُ إلى أن يقضيه عند الله تعالى في “جنة العرش”.
وإذا استحال على العلم البشري أن يضع يده على “الحلقة المفقودة” من سلسلة التطور البشري، فما ذلك إلا مرآةً لعجزه عن أن يعرف ما حدث فجعل من “أسلاف الإنسان الأواخر” يختفي كل أثرٍ لهم من الوجود! فالله تعالى يخبرنا في آية استخلاف آدم بما حدث لأسلاف الإنسان الأواخر فجعل منهم بلا أثرٍ يخلِّفونه من ورائهم. لنتدبر الآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فهذه الآية الكريمة تنبؤنا بأمر الله تعالى لملائكته الكرام أن يبيدوا قوماً كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، مشدِّداً عليهم في الوقت ذاته على أن يبقوا على واحدٍ منهم فلا يصيبه ما سيصيبهم. وهذا “الكائن المستخلف” كان سيدنا آدم عليه السلام، والذي جعل ملائكة الله الكرام عليهم السلام يعجبون للعلة التي استحق بموجبها أن يُستثنى من هذه الإبادة ويُستخلف في الأرض.
وهكذا يتبيَّن لنا أن القرآن العظيم يقدِّم لنا إجابةً يعجز العلم البشري عن تقديمها، وما ذلك إلا لأن هذا القرآن قد أنزله الله تعالى تبياناً لكل شيء (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (من 89 النحل).
