من معاني “الأمر” في القرآن العظيم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تحدثت في منشورات سابقة عن أن لكلمة “الأمر” القرآنية معانيَ عدة؛ فمن هذه المعاني ما يكون “الأمر” مرادفاً بمقتضاه لـ “القرآن”. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا آياتٍ كريمة من مثل (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون) (5 السجدة)، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (12 الطلاق).

كما أن هناك من بين معاني كلمة “الأمر” القرآنية ما بوسعنا أن نتبيَّنه إذا ما نحن تدبَّرنا آياتٍ كريمة من مثل: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (50 القمر)، (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (77 النحل)، (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (73 هود). فـ “الأمر” هنا هو قضاء الله وقدره الذي يتنزَّل بسرعةٍ لا قِبل لنا بها ولا سبيل لنا لتبيَّنها على ما هي عليه حقاً وحقيقة وذلك طالما كانت هذه السرعة يحدِّدها التدخل الإلهي المباشر في أحداث هذا الوجود بـ “كن فيكون”. ومما ذكره قرآن الله العظيم من آثارٍ لهذا التدخل الإلهي المباشر بـ “كُنْ فَيَكُونُ” ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتذكُّرنا الآيات الكريمة التالية: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (40 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (58 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (66 هود)، (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (76 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (82 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (94 هود)، (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُون) (من 78 غافر). فالأمر هنا يكادُ أن يكون لحظياً، فهو كلمح البصر أو أقرب. وهذا ما يمثِّله التدخل الإلهي المباشر القائم على أساسٍ من قول الله تعالى “كُنْ فَيَكُونُ”.

وإذا ما نحن تدبَّرنا الآية الكريمة 5 السجدة أعلاه (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون)، وقاربناها المقاربة التقليدية التي يصر عليها كثيرون، فإن “عروج الأمر” إلى الله تعالى في يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ مما نعد، يتناقض بالتمام والكلية مع “لحظية” الأمر الإلهي الذي أنبأنا قرآن الله العظيم بأنه كلمحٍ البصر أو أقرب. وهذا يؤكد من جديد ألا عروجَ هناك لـ “الأمر”، وأن مَن يعرج إلى الله تعالى هو سيدنا جبريل عليه السلام، وذلك من بعد قيامه بتدبير الأمر، والذي يعني هنا إيصال آيات القرآن العظيم إلى سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أمانةً تدبَّرها فحملها فأوصلها.

أضف تعليق