بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ضرب اللهُ مثلاً للذين آمنوا السيدة آسيا والسيدة مريم رضي الله تعالى عنهما، وذلك كما جاءتنا به آخر آيتين من سورة التحريم. فلماذا اختار اللهُ تعالى هاتين السيدتين المؤمنتين الجليلتين ليضرب بهما مثلاً للذين آمنوا مؤمنين ومؤمنات؟ فإذا كانت الآية الكريمة الأخيرة من سورة التحريم تبيِّن العلةَ من وراء اصطفاء السيدة مريم عليها السلام لتكون مضرب المثل الإلهي للمؤمنين والمؤمنات، وذلك لما تميَّزت به من تصديقٍ بكلمات ربِّها وكتُبه ولكونها من القانتين (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين)، فإن الآية الكريمة التي سبقتها أبانت عن العلة التي بموجبها اختيرت السيدة آسيا رضي الله تعالى عنها لتكون مضرب المثل الإلهي للمؤمنين والمؤمنات (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين).
فالسيدة آسيا رضي الله تعالى عنها كانت قد لزمت دعاءَ اللهَ تعالى بأن ينجِّيها من فرعون لعنه الله وعمله وأن ينجيها من القوم الظالمين. ولزومها رضي الله تعالى عنها هذا الدعاء جعل منها تؤثر مغادرة الحياة الدنيا على أن تبقى بصحبة عدو الله فرعون لعنه الله. ولذلك فلقد سألت السيدة آسيا اللهَ تعالى أن يبني لها عنده بيتاً في الجنة، وذلك كنايةً عن سؤالها له تعالى بأن تموتَ شهيدةً في سبيل الله، وذلك لأنها كانت قد علمت من سيدنا موسى عليه السلام بما أعدَّه اللهُ تعالى لمَن يُقتل في سبيله من رزقٍ في هذه الحياة الدنيا، وذلك قبل مجيء يوم القيامة بجنات النعيم.
ولقد قدَّمت السيدة آسيا رضي الله تعالى عنها بهذا الذي قامت به الدليل على أنها تؤثِر ما عند الله على ما كان عندها بسببٍ من كونها إمرأة أعظم ملوك الأرض حينها. وهي بذلك تكون قد قدَّمت لنا المثال الذي ينبغي أن نحتذيه، فنؤثر ما عند الله على ما بين أيدينا إذا كان فيه ما يجعلنا مضطرين إلى صحبة الأشرار.
وصدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي قال: “من سألَ اللهَ تعالى الشهادةَ بصدقٍ بلَّغه منازلَ الشهداء وإن ماتَ على فراشِه”.
