بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يتوهم البعض أن “أحسن تقويم” هو لا أكثر من الخِلقة المثلى والهيئة الفضلى والقوام الأمثل الذي خُلق به الإنسان! وهذا زعمٌ ليس بالعسير دحضُه، وذلك طالما كانت آية “أحسن تقويم” قد أعقبتها آية “أسفل سافلين”.
فالشيء يُعرف بضديده. وضديد “أسفل سافلين” لا يمكن أن يكون الخِلقة المثلى والهيئة الفضلى والقوام الأمثل! فعبارة “أسفل سافلين” تستدعي إلى الذهن كل ما هو ذو صلة بالذين كفروا وعملوا السيئات، وذلك كما يبيِّنه تدبُّر التلاحق النصِّي الذي انطوت عليه سورة التين: “أحسن تقويم”، “أسفل سافلين”، “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات” (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1)وَطُورِ سِينِينَ(2)وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ(3)لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ).
إذاً فإن “أسفل سافلين” يُعرِّف “أحسن تقويم” بأنه لا يمكن إلا أن يكون ذا صلةٍ بالإيمان بالله تعالى والعمل الصالح قبل أي شيء آخر من قبيل الخِلقة المثلى والهيئة الفضلى والقوام الأمثل.
إذاً خُلق الإنسانُ في أحسن تقويم في دلالةٍ على ما كان عليه سيدُنا آدم عليه السلام من تركيبةٍ دماغية فريدةٍ متميزة أتاحت له أن يكون بمقدوره أن يتلقى من الله تعالى العلمَ الذي اختُص به دون غيره من المخلوقات العاقلة. وهذه التركيبة الدماغية الفريدة هي من بين ما خسره الإنسان بردِّه أسفل سافلين، وذلك من بعد ما أصاب دماغه من تضرر جراء أكل آدم وحواء من الشجرة المحرمة.
كما أن تلك التركيبة الدماغية الفريدة التي تميز بها الإنسان يوم كان في أحسن تقويم كفلت له أن يكون على وفاق مع ما يحيط به من مفردات الطبيعة نباتيةً كانت أم حيوانية، فلم يكن بمقدوره والحال هذه أن يُفسد في الأرض كما هو حال الإنسان في أسفل سافلين، والذي يشهد كل ما في الأرض على كونه مخلوقاً متناشزاً مع كل ما هو طبيعي عليها.
وهكذا يتبين لنا أن ما خسره الإنسان بزوال تلك التركيبة الدماغية الفريدة التي كان عليها يوم كان في أحسن تقويم، لا يمكن أن يكون مجرد خسارته الخِلقة المثلى والهيئة الفضلى والقوام الأمثل، وبالمعنى الذي يتوهمه من يقصرون فهم “أحسن تقويم” على الشكل والمظهر الخارجيين! فالأمر أعظم بكثير من أن يكون مجرد “قَسَماتٍ مثلى” و”شكلٍ مثالي”! فـ “أحسن تقويم” هو ما كان عليه الإنسان يوم كان متوافقاً مع الطبيعة قادراً على السماع لما يوحيه إليه اللهُ تعالى.
