“عند ربِّهِم يُرزَقون”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ذكرتُ في منشوراتٍ سابقة أن للهِ تعالى تواجداً في هذا الكون، كما أن له وجوداً خارجه. والكون هذا الذي يتواجد فيه الله تعالى يشتمل على سبع سموات وسبع أرضين. ودنيانا هذه التي فيها نعيش هي إحدى هذه الأرضين السبع وسماؤها هي إحدى هذه السموات السبع. وهذا العالم الذي يتكون من هذه السموات السبع وهذه الأرضين السبع، هو عالم السموات والأرض التي أخبرنا قرآن الله العظيم أن كرسيَّه تعالى قد وسعهما (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 255 البقرة). وهو لذلك ليس عالم العرش الذي لا قدرةَ لمخلوقٍ على الإطلاق على أن يتواجد فيه، فهو عالمٌ إلهي بمعنى الكلمة. ويفصل بين هذين العالمين (عالمِ الكرسي حيث تتواجد مخلوقات الله تعالى كلها جميعاً، وعالمِ العرش الذي لا يتواجد فيه مع الله تعالى أحدٌ من خلقه على الإطلاق) حجابٌ لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن ينفذ منه إلا بسلطانٍ إلهي. وهذا الحجاب الحاجز الفاصل بين عالمَي الكرسي والعرش هو “أقطار السموات والأرض” والتي جاءتنا سورة الرحمن بخبرٍ عنها (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (33). وأرضون السموات السبع هي كواكب فيها حياة بايولوجية نباتية وحيوانية انفردت من بينهن كرتُنا الأرضية بحياةٍ بشرية.

إلا أن هذا لا يعني أن لا تواجد لبشرٍ على غير كوكبنا الأرضي هذا. فأقرب الأرضين إلى عالم العرش هي أرض السماء السابعة التي فيها “جنة المأوى”، والتي جاءتنا سورة النجم بخبرٍ عنها (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (14 -15). وجنة المأوى هذه هي جنة سيدنا آدم التي أُسكِنها هو وزوجُه، كما أنبأنا القرآن العظيم: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (35 البقرة)، (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف).

وأرض السماء السابعة هذه هي الجنة التي عُرِج بسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إليها، فكان له أن يقترب من عالم العرش قاب قوسين أو أدنى (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (8 -9 النجم).

وإذا كانت أرضُنا، أرضُ السماء الأولى، قد تميَّزت فانفردت بحياةٍ بايولوجية بشرية عن باقي أرضين الكون، حيث لم يتسنَّ لغيرها أرضٌ أن يُخلق من ترابها بشر، فإن أرض السماء السابعة، إذ جعل الله تعالى فيها جنة المأوى، قد قُدِّر لها أن “تُؤوي” كلَّ من قُتِل في سبيل الله، فكان حقيقاً على الله أن “يُؤويه” في جنَّته هذه التي يُطِل عليها عرشُه. وجنة السماء السابعة هذه، إذ هي أقربُ الأرضين السبع إلى عرش الله تعالى، قد استحقت أن يصِف الله تعالى مَن “آواه” إليها بأنه “عنده”، أي أقرب خلقِه إلى عرشه. ولذلك نقرأ في سورة آل عمران (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ [عِنْدَ رَبِّهِمْ] يُرْزَقُونَ) (169).

وهؤلاء الذين “آواهم” الله إلى جنة عرشه هذه هم بشرٌ استحقوا أن يسكنوا هذه الجنة التي سُكانها من ملائكة الله المقرَّبين، والذين جاءنا القرآن العظيم بخبرهم، وذلك في الآيتين الكريمتين التاليتين: (إِنَّ الَّذِينَ [عِنْدَ رَبِّكَ] لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون) (206 الأعراف)، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ [عِنْدَ رَبِّكَ] يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (38 فصلت).

أضف تعليق