بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيما

هل كنا لنعلم أن لنا أسلافاً أواخر كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء لولا ما جاءنا به قرآن الله العظيم من نَبَئهم الذي أوردته سورة البقرة في آيتها الثلاثين (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟ فعلم البايولوجيا التطورية لم يقدِّم لنا إلا تصوراتٍ عن ماضينا الحيواني ليس فيها ما يشير من قريبٍ أو بعيد إلى أننا كنا يوماً على هذا القدر من التوحُّش كما فصَّلته لنا هذه الآية الكريمة. فأسلاف الإنسان، وفقاً لعلم البايولوجيا التطورية، لم يكن منهم مَن يشذ عن الطبيعة فيخرج على قوانينها ويتناشز مع باقي كائناتها الحية بهكذا نمطٍ فريد من العدوانية المنفلتة وغير المنضبطة بأية ضوابط تنظِّمها وتُقنِّنها وفقاً لما تقضي به الطبيعة دون زيادةٍ أو نقصان. فالطبيعة، كما تتجلى حوالينا، ليس فيها من العدوان إلا ما تحتاجه كائناتها الحية كيما تسير أمورها وفقاً لما هي بحاجةٍ إليه من هذا العدوان، فلا شذوذَ ولا شطط هناك على الإطلاق. ولذلك تجد مباحث البايولوجيا التطورية أن ما تقول به هذه الآية الكريمة من عدوانٍ جائرٍ منفلتٍ وغير منضبط أمرٌ يتناقض مع القوانين المنظِّمة للعدوان في عالم الحيوان. إلا أن هذا الذي يستعصي على هذه المباحث فلا تملك أن تفقه له علةً هو أمرٌ قد حدث في ماضينا السحيق إذ ليس بالعلم وحده يكون بمقدورنا أن نعلم ما حدث لنا في ماضينا السحيق هذا! فلقد جاءنا القرآن العظيم بما يعجز العلم المعاصر عن أن يجيئنا به، وذلك لمحدودية هذا العلم القائم على أساسٍ من تدبُّر ما هو ليس بمغيَّب بسببٍ من تعاليه على الزمان والمكان.
إذاً فالإنسان كما نعرفه هو وفقاً للقرآن العظيم سليلُ مخلوقاتٍ بايولوجية متوحشة كانت تُفسد في الأرض وتسفك الدماء، مما توجَّب أن يصار إلى إبادتها والقضاء عليها. ولقد أبقى الله تعالى على سليلٍ لهذه الكائنات العدوانية المتوحشة هو سيدنا آدم عليه السلام، وذلك من بعد أن نفخ فيه من روحه بكلمة “كن”، فأصلح ما كان قد تضرَّر من بُنيته “فسوَّاهُ خلقاً آخر”، وذلك بأن جعل ما كان يضطر سلالته أن تكون على هذا القدر غير الطبيعي من العدوانية “يتوارى” من وراء حجابٍ حالَ وجودُه دون أن يكون بمقدور سيدنا آدم عليه السلام أن يفعل ما كان ليفعله لولا هذا الحجاب.
إلا أن الإنسان، ومن بعد أكل آدم وزوجه من الشجرة التي نُهيا عنها، “رُدَّ” إلى ما كان عليه أسلافه الأواخر من عدوانيةٍ منفلتةٍ غير طبيعية، وذلك لأن المادةَ التي احتوتها تلك الثمرة المحرمة، فعلت فعلها في هذا الحجاب فكان حقيقاً علينا أن يكون بعضُنا لبعض عدو، كما كان عليه أسلافنا الأواخر في عدوانيتهم المنفلتة غير الطبيعية هذه.
وإذا كان هناك ثمةَ مَن يستهجن هذا الذي اضطررتُ إلى قوله بشأن ماضينا التطوري، فما عليه إلا أن يتدبَّر هاتين الآيتين الكريمتين من سورة التين: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ). فتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين يبيّن لنا أن الإنسان قد رُدَّ أسفل سافلين فأُرجِع إلى ما كان عليه قبل أن يتدخل الله تعالى فيجعله في أحسن تقويم. والردة هذه هي الإرجاع والإعادة إلى ما كان عليه الإنسان قبل هذا التدخل الإلهي المباشر.
وبوسعنا أن نتدبر بعض آيات القرآن العظيم فيتبيَّن لنا ما ينطوي عليه معنى “الردة” من معاني الإعادة والإرجاع:
(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (من 85 القصص)، (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) (من 6 الإسراء)، (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (36 الكهف)، (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا) (87 الكهف)، (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَن) (من 13 القصص)، (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) (من 40 طه).
