السلالة الأخيرة والحلقة المفقودة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظن كثيرٌ ممن يقرأون القرآن العظيم دون تدبُّر أن الله تعالى خلق سيدنا آدم عليه السلام من طين ثم نفخ فيه من روحه فدبَّت فيه الحياة! وهذا ظن ليس في محله، وذلك طالما كان يستدعي وجوب القول بألا “تطور” هناك في الأمر! فلو أن هؤلاء القائلين بالانتقالة اللحظية من الطين إلى الإنسان كما نعرفه تدبَّروا ما ورد في القرآن العظيم بشأن “تخلُّق الإنسان”، لتبيَّن لهم أن الإنسان قد مر تخلُّقه بمراحل تطورية لا يعلم عددها إلا الله، وأن “القفزة الخَلقية” من الطين إلى الإنسان لم تحدث، وليس لها بالتالي من وجود إلا في خيالهم!
صحيحٌ أن القرآن العظيم قد جاء فيه ما يُفهم منه أن الإنسان قد خُلق خلقاً لحظياً من الطين، إلا أن هذا الفهم كان ينبغي أن يُشذَّب ويُهذَّب حتى يجيء متوافقاً بالتمام والكلية مع كلِّ ما ورد في القرآن العظيم من آياتٍ ذات صلةٍ بتخلُّق الإنسان.

فالإنسان، إذا ما استرشدنا بما جاءنا به قرآن الله العظيم من آياتٍ كريمة ذات صلة بتخلُّقه، قد خُلق من طين. وإذا كان اللهُ تعالى قد ذكر في هذا القرآن أنه قد نفخ في هذا الطين من روحه فأصبح الطينُ إنساناً، فإن هذا إيجازٌ لقصة تخلُّق الإنسان لا ينبغي أن يحول دون أن نقارب الأمر بتذكُّر ما جاءنا به قرآن الله العظيم من “تفصيلٍ” لا يتناقض وروده مع هذا الإيجاز. لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59 آل عمران)، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) (20 الروم)، (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين) (12 الأعراف)، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) (61 الإسراء)، (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) (11 الصافات)، (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) (37 الكهف)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) (من 5 الحج)، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا) (من 11 فاطر)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) (من 67 غافر)، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (26 الحجر)، (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (14 الرحمن).

فهذه الآيات الكريمة تتحدث عن خلق الإنسان بإيجازٍ وتلخيص، وهي لا تتناقض على الإطلاق مع آياتٍ كريمةٍ أخرى تتحدث عن تخلُّق الإنسان بإسهابٍ وتفصيل: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِين. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (7 -9 السجدة)، (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (71 -72 ص)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (2 الأنعام)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (28 -29 الحجر)، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) (12 المؤمنون). يتبيَّن لنا بتدبر هذه الآيات الكريمة أن اللهَ تعالى لم ينفخ في طينة الإنسان من روحه نفخاً مباشراً، ولكن النفخة الإلهية هذه كانت في سلالةٍ أصلها من طين.

فالإنسان كان مبتدأ خلقه من طين، ثم ابتدأت رحلة تطوُّره سلالةً من بعد سلالة حتى انتهى به الأمر إلى آخر سلالة من هذه السلالات فأصابها ما أصابها فجعل منها مخلوقاتٍ متوحشةً تُفسد في الأرض وتسفك الدماء، مما استدعى أن يتدخل اللهُ تعالى بشكلٍ مباشرٍ لـ “يسوِّي” واحداً من أفرادها فينفخ فيه من روحه فيكون إنساناً “سوياً” في أحسن تقويم سمّاه “آدم”.

وسلالة الإنسان الأخيرة هذه هي التي استحقَّت بسببٍ من عدوانيتها “غير الطبيعية” أن يُصار إلى إبادتها عن بكرة أبيها على يد ملائكة الله الكرام عليهم السلام، فكانت هذه الإبادة هي العلة من وراء اختفاء أي سجلٍ أحفوري يدل عليها، مما أدى إلى ظهور ما أطلق عليه علماء أصل الإنسان بـ “الحلقة المفقودة”.

أضف تعليق