لو كان حقاً يحبُّه لسجد!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

دينُ الله قائمٌ على أساسٍ من حب العبد لمولاه حباً يتملَّكه بالتمام والكلية فلا يجعل له من إرادةٍ إلا ما يريده الله ولا عقلاً يجادل ويحاجج إذ أطفأ نور هذا الحب نيران هذا العقل فلم يعد بمقدورها أن تجعل منه يحاجج ويلاجج! والعبد الذي هذه هي صفته هو من الذين امتدحهم قرآنُ الله العظيم فقال في حقِّهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (من 54 المائدة).

وهؤلاء الذين استحقوا فنالوا شرفَ محبة الله لهم هم الذين اتَّبعوا حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (31 آل عمران).

ومحبة العبد لمولاه عز وجل، إذ تجعله مطيعاً غير عاصٍ ما أمره، فإنها تكفيه فلا يكون معها بحاجةٍ إلى منطق عقلٍ وحجة فكرٍ كيما يعلِّل لامتثاله لما يأمر به مولاه، وهو بالتالي لن يكون بمقدوره أن يسمع لنفسه إذ ترفده بما يُعينه على أن يعلل لإحجامه عن الامتثال لما يأمر به مولاه.

وهكذا، إذ يغيب العقلُ ويشرق القلبُ، فإن المؤمن بالله حق الإيمان لن يعود بمقدوره أن يكون ذا إرادة يخالف بها عن إرادة الله. فهو يمتثل لما يأمره به دون أن يجد في قلبه ما يعتمل فيجعل منه يتردد لهذا السبب أو ذاك مما توسوس به النفس وتطوِّع وتسوِّل.

ولذلك فلا عذر هناك لإبليس (لعنه الله) إذ عصا اللهَ واحتج على عصيانه بما احتج به مما تقول به النفسُ وينطق به الهوى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (11 -12 الأعراف)، (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (75 -76 ص)، (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ. قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (32 -33 الحجر)، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) (61 الإسراء).

فلو أن إبليس (لعنه الله) كان يحب الله حقاً لما عصاه ولما ظن أن بمقدوره أن يعلِّل لهذا العصيان بأية حجةٍ زوَّدتها به نفسه ورفده بها هواه.

أضف تعليق