لماذا لم يكن رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فظاً غليظ القلب؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الله ذو رحمةٍ واسعة، ورحمةُ الله وسعت كلَّ شيء، واللهُ وسع كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً. هذه حقائق جاءنا بها القرآن العظيم فكان لنا أن نعلم عن الله تعالى هذا الذي هو عليه في علاقته بخلْقه. لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (من 156 الأعراف)، (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) (من 7 غافر)، (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) (من 147 الأنعام)، (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (12 الأنعام)، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) (من 133 الأنعام)، (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) (من 58 الكهف).

يظن كثيرٌ منا أنه يحق له أن يرجو رحمةَ الله التي وسعت كل شيء، وذلك من دون أن يبذل من جانبه ما يجعله يستحق هذه الرحمة الإلهية التي هي عنده متاحةٌ لكل من هبَّ ودب دون شرائط وضوابط تقيِّدها فتجعلها من حظ ونصيب مستحقيها فحسب!

صحيحٌ أن الله تعالى ذو رحمةٍ واسعة، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه قد وسع كل شيء رحمة، إلا أن الاقتصار على تذكُّر هذه الآيات الكريمة دون غيرها من آياتٍ كريمةٍ أُخَر تبيِّن ما قُيِّدت به رحمة الله تعالى من شرائط وضوابط، سيجعل منا نمعن في ارتكاب المعاصي ظناً وتوهماً بأنها ستُغفَر لنا وذلك طالما كانت رحمةُ الله واسعةً وطالما كانت هذه الرحمة الإلهية قد وسعت كلَّ شيء! فلو أننا تدبَّرنا آياتٍ كريمة بيَّن اللهُ تعالى فيها ضوابط تنزُّل رحمته الواسعة، لأدركنا أن الأمرَ خلاف ما نظن ونتوهم. فلنتدبَّر إذاً الآيات الكريمة التالية: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) (من 156 – من 157 الأعراف)، (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (5 الأنعام)، (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (من 56 الأعراف).

يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة أن هناك شرائطَ وضوابطَ دونها لا رجاء لرحمة الله الواسعة ولا أمل فيها البتة! فأنت من “أهل رحمة الله” إن أنت تقيَّدتَ بشرائط وضوابط تنزُّل هذه الرحمة الإلهية، وإلا فإنك محرومٌ من هذه الرحمة مادمتَ تصر على ألا تكون مستحقاً لها بهذا الإصرار منك على النأي بعيداً عن كل ما يوجبه عليك الإيمانُ بالله والعمل الصالح.

ولأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو أفضل خلقه تعالى عبادةً له وتعبُّداً، فهو أكثر من يستحق رحمةَ الله. ولقد تجلَّت هذه الرحمة الإلهية عليه صلى الله تعالى عليه وسلم بما جعل منه يلين لأصحابه فلا يكون فظاً غليظ القلب، وذلك كما يبيِّنه لنا تدبُّرنا الآية الكريمة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (من 159 آل عمران). فلأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عبدَ اللهَ العبادةَ التي جعلته يستحق رحمته تعالى، فإن هذه الرحمة الإلهية جعلته ليِّناً غير فظٍ وغير غليظ القلب.

وبهذا يتبيَّن لنا أننا إن أردنا أن ينالنا جانبٌ من رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، فما علينا إلا أن نتقيَّد بضوابط وشرائط تنزُّل هذه الرحمة الإلهية.

أضف تعليق