بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

خلق الله تعالى عقل الإنسان ليعبده. ولقد زوَّد اللهُ تعالى هذا العقل بكل ما يكفل له أن يكون بمستطاعه أن يعبد الله، وذلك على الرغم من التباين العظيم بين العابد والمعبود. ونحن بإمكاننا أن نتبيَّن ما بوسع هذه العبادة أن تجعل من العابد يحظى به من تجلياتٍ خارقةٍ للمألوف والمعهود، وذلك بتذكُّرنا ما كان عليه أنبياء الله تعالى وأولياؤه الصالحون. فهؤلاء قد عبدوا الله تعالى بعقولهم التي خلقها لعبادته، وجعلها مؤهَّلةً لتصل بهذه العبادة إلى مصافٍ من الارتقاء ليس من سبيل آخر للوصول إليها.
وإذا كان الإنسان قد خُلق ليعبد اللهَ تعالى، فإن عقله قد خُلق مزوَّداً بكل ما يكفل له أن يصل بهذه العبادة إلى هذه المصاف المتعالية على كل ما بالإمكان تصوُّره أو تخيُّله.
ولك أن تتصوَّر وأن تتخيَّل ما الذي سيجلبه عقل الإنسان على صاحبه إن هو لم ينشغل بالله الذي خُلق لينشغل به لا بسواه! فعقل الإنسان إذا ما انشغل بغير الله تعالى فسوف يعود ذلك عليه بكل ما هو كفيلٌ بجعله يشقى جراء ذلك. وإذا ما أنت أردتَ أن تجيء بمثَل يبيِّن ما جناه عقل الإنسان على صاحبه بنأيه عن الله تعالى، فلك أن تتفحَّص ما نحن عليه من شقاء وعناء بهذا الذي أشغلنا به عقولنا بعيداً عن الانشغال بالله تعالى حيث أصبحنا عوض عبادة الله تعالى ينشغل بعضنا ببعض غيبةً ونميمةً وغيرةً وحسداً وتآمراً وتوجُّساً وشكوكاً وظنوناً وغلاً وحقداً!
فعقلٌ جبارٌ كعقل الإنسان خُلق ليعبد الله الجبار لا يمكن له إلا أن يدمِّر صاحبه إن هو لم يُشغله بما خُلق لينشغل به. ولذلك فإن ما نحن عليه معشر البشر من تعاسةٍ وشقاء قدَرٌ لا فكاك لنا منه إلا بأن نكف عن الانشغال ببعضنا البعض، فما لهذا خُلقنا. وكل انشغالٍ عن الله بغيره لابد وأن يعود علينا بالشقاء والعناء.
إذاً فلا مناص لنا من أن نُشغِل عقولَنا بالله تعالى، وذلك حتى تُكتب لنا السعادة في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.
