بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لولا قرآن الله العظيم ما كنا لنعلم أن السموات والأرض سوف تتلاشيان يوماً لا يعرف أحدٌ غير الله متى يأتي. وتلاشي السموات والأرض حقيقةٌ من حقائق القرآن العظيم. وهذا التلاشي لن يكون إلا لحظياً دون أية مقدمات يكون هو منتهاها. وإن نحن التجأنا إلى ما بين أيدينا من علم بالسموات والأرض، فلن يكون في ذلك ما يُعين على تصوُّر ما سيكون عليه الأمر لحظة زوال كل شيء بمجيء يوم القيامة. فالعلم الذي بين أيدينا قائمٌ على أساسٍ من الأسباب التي خلقها اللهُ تعالى وسلَّطها على هذا الوجود كيما يتسنى لوقائعه وأحداثه وظواهره أن تحدث، وهو لذلك علمٌ قائمٌ بالأسباب. وإذ هو كذلك، فليس لهذا العلم من قدرةٍ على تصوُّر على ما هو حادثٌ دون وساطةٍ من هذه الأسباب. فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يفعل في الوجود ما يشاء بـ “كن فيكون”. وهذا أمرٌ لا قِبَل للعلم البشري به وذلك طالما كانت “كن فيكون” لا علاقة لها بأسباب هذا العالَم، وطالما كان هذا العالَم قائم على أساسٍ من تدخُّل الله تعالى بشكلٍ غير مباشر في وقائعه وأحداثه. فالقيامة قائمةٌ آتيةٌ لا ريب فيها، وما أمرها إلا كما وصفه القرآن العظيم (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (50 القمر). فالقيامة لن تجيء إلا بغتةً فيزول بمجيئها عالمُنا سمواتٍ وأرضين. وهذا الزوال لن يكون إلا لحظياً، وذلك طالما كان المتسبب به تدخلٌ إلهي مباشر بـ “كن فيكون” (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73 الأنعام).
ولقد قدَّم لنا القرآن العظيم مثالاً على ما سيكون عليه الحال يوم تشرق الأرضُ بنورِ ربِّها، وذلك في سياق حديثه عما جرى لسيدنا موسى عليه السلام في خلوته الأربعينية مع الله تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) (من 143 الأعراف). فاللهُ تعالى تجلى للجبل فزال الجبلُ وأصبح تراباً، واللهُ تعالى سوف يتجلى للسموات والأرض يوم القيامة فيُحيلهما هذا التجلِّي الإلهي هباءً منثوراً بلمحٍ بالبصر. فما سيحدث يوم القيامة لن يستغرق غير لحظةٍ يزول فيها كل ما في السموات والأرض من موجودات. وهذا أمرٌ لا ينبغي أن يجادل فيه مَن صحَّ لديه أن الله تعالى تجلى لجبل سيدنا موسى عليه السلام فجعله دكاً.
