فتنةُ اللهِ وابتلاؤه

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لم يكن الله ليذر الإنسانَ يعيش حياته على هذه الأرض سالماً مُنعَّماً دون أن يبتليه كما ابتلى أباهُ من قبل سيدنا آدم عليه السلام! فسيدنا آدم ابتُلي بالشجرة فكان ما كان من بعد فشله عليه السلام في الاختبار، وذلك بأكله من الشجرة التي نُهي عنها. ولقد نجم عن هذا الإخفاق في الابتلاء ما حتَّم أن يكون بعضُنا لبعضٍ عدو، وأن يُبتلى بعضُنا ببعض وأن يكون بعضُنا لبعضٍ فتنة (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) (من 20 الفرقان).

ففتنة الله للإنسان هي ابتلاءٌ واختبار يُراد منهما أن يتجلى وجه الإنسان الحقيقي. والإنسان يظل محل اختبار الله له مادام فيه عرقٌ ينبض. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر بعضٍ من آيات القرآن العظيم التي جاء فيها ما يؤكد أن الله تعالى متربِّصٌ بالإنسان بالابتلاء والفتنة، وذلك حتى يتبيَّن ما انطوى عليه باطنُه من حقيقته التي توارت من وراء حُجُب النفس والهوى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين) (2 -3 العنكبوت)، (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (28 الأنفال)، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (35 الأنبياء)، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (11 الحج)، (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون) (49 الزمر)، (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (15 التغابن)، (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (53 الأنعام)، (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) (من 40 طه)، (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (85 طه).

وهذه الفتنة الإلهية للإنسان لم يُستثنَ منها أحد. فحتى أنبياء الله تعالى كانت هذه الفتنة لهم بالمرصاد. فهذا سيدنا سليمان عليه السلام قد فتنه اللهُ كما فتن أباه سيدنا داود عليه السلام من قبل: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (34 ص)، (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) (من 40 النمل)، (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) (من 24 ص).

وفتنة الله للإنسان هي ابتلاءٌ منه تعالى له. وهذا الابتلاء قدرٌ فرضه الله تعالى على كل إبنٍ لآدم فلا مفر له منه. ويخطئ من يظن أن اللهَ تعالى خلق الإنسان ليسرح ويمرح في هذه الحياة الدنيا دون أن يطاله ابتلاؤه ودون أن تنالَ منه فتنته! فالإنسان مفتونٌ على الدوام ومبتلى فلا نجاةَ لأحدٍ منا معشر البشر من هذا الابتلاء الإلهي الذي هو الوسيلة لكشف ما جُبلت عليه النفوس وانطوت عليه من خيرٍ وشر. ولذلك فإن قرآن الله العظيم قد جاءنا بالعديد من الآيات الكريمة التي يُبيِّن تدبُّرها حقيقة هذا الإنسان المُبتلى من الله بكل ما من شأنه أن يُبيِّن معدنه فيتبيَّن بالتالي ما هو مُقدَّرٌ له أن يكون قدرُه في الحياة الدنيا ومصيرُه ومآله في الآخرة (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (من 168 الأعراف)، (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) (من 17 القلم)، (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي) (15 -16 الفجر)، (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (من 6 إبراهيم)، (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) (106 الصافات)، (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ) (33 الدخان)، (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (11 الأحزاب).

إذاً فالإنسان في هذه الحياة الدنيا، وعلى هذه الأرض، مُلاحَقٌ بفتنة الله وابتلائه. وعلى الإنسان أن يعي ويدرك أن الله الذي ابتلى أباهُ آدم من قبل ما كان ليجعله بمنأى عن ابتلائه فيكون له أن يحيا هذه الحياة الدنيا بعيداً عن المنغِّصات والتعسير والتضييق! فكل هذه أدواتٌ وتقنيات بيد الله تعالى يُسلِّطها على من يشاء من عباده ابتلاءً لهم وفتنة. فلا اليُسرُ ولا العسرُ إلا أداتين من أدوات الابتلاء الإلهي يسبرُ بها اللهُ تعالى أغوارَ النفس البشرية علَّها تكشف أسرارها لصاحبها فيكون منها على حذر ويكون له أن يؤدِّبها بالعبادات والطاعات حتى تترقى من بعد أن تُسلم له أمرها.

وكل من يظن أن هذه الحياة الدنيا بإمكان الإنسان أن يعيشها دون منغِّصاتٍ ودون هَمٍّ أو كدر، فإن عليه أن يدرك أنه بعيدٌ كل البعد عما جاءنا به القرآن العظيم من حقيقة علاقة الله تعالى بمخلوقاته من بني آدم؛ هذه الحقيقة التي كان بإمكانه أن يتبيَّنها واضحةً جلية لو أنه تدبَّر بعضاً من آياتِ هذا القرآن التي يبيِّن تدبُّرها ما كان ينبغي عليه أن يعيه بشأن ما قُدِّر على الإنسان من ابتلاءٍ إلهي وفتنة (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) (من 102 البقرة)، (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) (60 الإسراء)، (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (111 الأنبياء)، (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (53 الحج)، (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) (27 القمر)، (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) (من 31 المدثر)، (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) (126 هود)، (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيم) (17 الدخان)، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (165 الأنعام)، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (من 7 هود)، (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) (من 4 محمد)، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (2 الملك)، (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) (من 124 البقرة).

إذاً فالإنسان مقدَّرٌ عليه أن يكون مبتلى فيفتنه الله أنى يشاء. والإنسان لن يكون قد أدرك ما يتوجب عليه أن يفعله في هذه الحياة الدنيا إلا إذا نظر إليها بعينٍ ترى فتنة الله وابتلاءه مفردتَين أساسيتين من مفردات قدرِه كإنسان.

أضف تعليق