بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

انتهيتُ في المنشور السابق إلى أن علم البايولوجيا التطورية وأصل الإنسان لا يمكن له أن يجزم بأن الإنسان أصله حيوان، وذلك طالما كان هناك هذا العدوان غير الطبيعي يفرق بينهما. فالحيوان كائن طبيعي منتم للطبيعة متوافق مع قوانينها غير متناشز مع ما تقضي به على كائناتها من وجوب الانضباط بهذه القوانين، ومن هذه القوانين يبرز قانون العدوانية المنضبطة، قانوناً انفرد الإنسان بالخروج عليه والشذوذ عنه والتناشز معه. فكيف يُعقل إذاً أن يكون الإنسان سليل الحيوان وهو عاجزٌ عن أن يكون العدوان عنده منضبطاً بضوابط هذا القانون؟!
ولذلك فإن على علم البايولوجيا التطورية وأصل الإنسان أن يقر بأن السلالة التي انحدر منها الإنسان هي سلالة متوحشة غير طبيعية لا علاقة لها من قريبٍ أو بعيد بالحيوان كما نعرفه كائناً متزناً منضبطاً بضوابط الطبيعة فلا يشذ عنها ولا يتناشز معها. وإذا كان العلم عاجزاً عن أن يجد أحافير وهياكل عظمية لهذه السلالة المتوحشة، فإن هذا لا يبرر له القول بأن أصل الإنسان “طبيعي”! فالعلم مضطر والحال هذه إلى وجوب الإقرار بأنه إذا استحال على الإنسان أن يكون، وهو بهذه العدوانية غير الطبيعية، ذا أصلٍ حيواني، فإن الإنسان لابد وأن يكون سليل سلالةٍ متوحشة غير طبيعية.
وهنا يطل علينا القرآن العظيم بتفوُّقه المعرفي لينقذ العلم من حيرته وتخبُّطه فيقدِّم له التصور الأمثل لما حدث فجعل من الإنسان كياناً لا تتفق “معطياته” مع ما يقول به ماضيه الحيواني المزعوم. لنتدبر الآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). فالسلالة المتوحشة غير الطبيعية التي يتوجب على العلم الإقرار بأن الإنسان قد انحدر منها هي هذه الكائنات التي كانت تشير إليها الملائكة بأنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. وبذلك يصبح بمقدور العلم الآن أن يعلل لهذا الذي هو عليه الإنسان من خروج على قانون الطبيعة الضابط للعدوان والمنظم له، وذلك بالتعليل لهذا العدوان الإنساني غير المنضبط وغير الطبيعي بالالتجاء إلى ما كان في ماضيه من كائناتٍ تفسد في الأرض وتسفك الدماء فتخرج بالتالي على قانون الطبيعة الضابط للعدوان والمنظم له.
وفي هذا ما فيه من دلائل وبراهين يبيِّن تدبُّرها ما لقرآن الله العظيم من تفوق معرفي على العلم الذي يعجز عن تبيُّن ما هو متخبِّط فيه إذ هو يقول بالأصل الحيواني للإنسان في ذات الوقت الذي تبرهن سلوكيات هذا الإنسان على استحالة أن يكون أصله حيوانياً بهذا الخروج منه على واحدٍ من أهم قوانين الطبيعة ألا وهو قانون “انضباط العدوان”.
وإذا ما نحن أردنا أن نقدم تصوراً لما حدث فجعل من الإنسان على هذا القدر من الغموض فيما يخص ماضيه، فلنا أن نقرأ ما انتهت إليه مباحث البايولوجيا التطورية وأصل الإنسان بما تسنى لنا تبيُّنه بتدبُّر قرآن الله العظيم فنقول: لقد خلق الله تعالى الإنسان من سلالةٍ كان مبتدأ تخلُّقها من طين، ثم تدرَّج هذا الإنسان في تخلُّقٍ مستمر وعبر مراحل تطورية لا يعلم عددها إلا الله تعالى، فتوجب عليه أن يكون ذا أصلٍ حيواني حتى انتهى به الأمر إلى سلالةٍ متوحشة غير طبيعية كانت هي العلة من وراء ما جعل منه قادراً على أن يكون مفسداً في الأرض ويسفك الدماء. ويقدم القرآن العظيم في الآية الكريمة 30 من سورة البقرة ما يمكِّن علم أصل الإنسان من الوقوع على ما حدث فجعل من غير الممكن له أن يضع يده على الأحافير والهياكل العظمية لتلك السلالة المتوحشة التي انحدر منها الإنسان وذلك لأننا نقرأ بين ثنايا هذه الآية الكريمة ما حدث فجعل ذلك غير ممكن. فالله تعالى كان قد أمر ملائكته الكرام عليهم السلام بأن يبيدوا ويهلكوا تلك السلالة المتوحشة التي كانت تفسد في الأرض وتسفك الدماء ويُبقوا منها على سيدنا آدم عليه السلام ليكون السلالة التي سينشأ عنها الإنسان كما نعرفه.
